حين تتحول رعاية الطفل إلى أرقام.. هل تزيد التطبيقات قلق الأمهات؟

  • Home
  • Arabic
  • حين تتحول رعاية الطفل إلى أرقام.. هل تزيد التطبيقات قلق الأمهات؟
حين تتحول رعاية الطفل إلى أرقام.. هل تزيد التطبيقات قلق الأمهات؟

حين تتحول رعاية الطفل إلى أرقام.. هل تزيد التطبيقات قلق الأمهات؟

حفظ

يجب ألا تتحول التطبيقات إلى نظام دائم لإدارة شؤون الطفل ورعايته (أدوبي)

هل تمنح التطبيقات شعورا بالأمان للأمهات؟

يصعب على الأم الوصول إلى يقين كامل، لأن نمو الأطفال لا يسير وفق وتيرة أو تسلسل واحد. لكن التطبيقات تمنح الأرقام سلطة خاصة؛ لأنها تبدو أكثر وضوحا وتأثيرا من الملاحظة الشخصية.

مثلا، عندما يعرض التطبيق أن الرضعة استغرقت 7 دقائق، أو أن الطفل نام أقل من “المعدل المناسب”، قد يبدو الأمر كأنه نتيجة اختبار واضحة. لكن لا يقول الرقم وحده ما إن كان الطفل سعيدا ونشيطا، أو إن رضاعته أصبحت أسرع، أو إن يومه اختلف بسبب التسنين أو المرض أو حاجته إلى القرب أو التغيرات الأخرى.

إعلان

تروي لورين هيوز قصة أم شعرت بالقلق وزارت الطبيب المختص لأن متوسط مدة رضاعة طفلها انخفض من نحو 13 دقيقة إلى سبع دقائق عبر التطبيق الذي تستخدمه، وذلك بالرغم من أن الطفل كان بصحة جيدة وينمو بصورة طبيعية، لكن الرسم الذي أظهر تراجع المدة جعل الأم ترى مشكلة لم تكن ظاهرة في الطفل نفسه، فقامت بتكذيب حدسها.

وتحذّر خبيرة الرضاعة من أن هذا قد يدفع بالكثير من الأمهات لتجاهل متابعة أطفالهن بالشكل المطلوب، والاعتماد كليا على التطبيقات، وبدلا من الثقة فيما تراه وتتعلمه من طفلها، تبدأ في الاعتقاد بأن التطبيق يعرف عن طفلها أكثر منها، خاصة عندما تكون مرهقة، وتعاني قلة النوم، وتفتقر إلى الدعم المناسب، وتفرط في الحساسية لأي احتمال يتعلق بصحة طفلها.

التطبيقات وتمرير صورة “الأمومة المثالية”

لا تستخدم الأم التطبيق لتسجيل ما يفعله طفلها فقط؛ فقد يتحول السجل تدريجيا إلى تقييم غير مباشر لأدائها هي. تصبح الرضعة الأطول علامة نجاح، والنوم الأقصر سببا للقلق، وتأخر المهارة دليلا على تقصير محتمل.

ويزداد هذا الضغط في ثقافة تقدم الأمومة بوصفها مشروعا ينبغي إدارته بلا أخطاء، وتطلب من المرأة أن تكون خبيرة في التغذية والنوم والنمو، ومنظمة وصبورة وحاضرة عاطفيا، وأن تنجز ذلك كله بهدوء وسعادة.

لا يطلب منها المجتمع أن ترعى طفلها فقط بشكل “جيد بما يكفي”، بل أن تثبت باستمرار أنها تفعل ذلك بالطريقة “الصحيحة”.

وقد وجدت الباحثة في علم الاجتماع الرقمي كيت جونسون خلال دراستها لتجارب أمهات توقفن عن استخدام تطبيقات الأطفال، أن بعض هذه الأدوات منحت الأسر في البداية إحساسا بالنظام والدعم، ثم أصبحت مرتبطة بالضغط والشعور بالذنب والتقصير وعدم الكفاية.

لم يكن التطبيق يأمر الأم صراحة بأن تشعر بالفشل، لكن معاييره وتنبيهاته ومقارناته قدمت لها صورة ضمنية لا يمكن بلوغها عما ينبغي أن تكون عليه “الأم الجيدة”.

وتضاعف منصات التواصل هذا الضغط حين تعرض روتين نوم مثالي، ووجبات مرتبة، وأطفالا يطورون مهاراتهم مبكرا، من دون إظهار التعب والدعم والمحاولات التي تقف خلف تلك الصور.

وهكذا لا تقارن الأم طفلها بطفل آخر فقط، بل تقارن أيامها المرهقة بنسخة منتقاة من حياة الآخرين، مما يزيد شعورها بما يُعرف بـ”القلق المرتبط بالمقارنة الاجتماعية”، والذي يرتبط بارتفاع مستويات القلق وانخفاض الرضا عن الذات، خاصة لدى الأمهات الجدد اللواتي يعشن أصلا ضغطا نفسيا مرتفعا.

معايير التطبيق وتنبيهاته ومقارناته قد تقدم للأم صورة ضمنية لا يمكن بلوغها عما ينبغي أن تكون عليه “الأم الجيدة” (فري بك)

متى يتحول طلب الاطمئنان إلى سلوك قهري؟

لا تسبب تطبيقات متابعة الطفل اضطراب الوسواس القهري بعد الولادة، ولا تعني كثرة التسجيل أن الأم مصابة به، لكنها قد توفر بيئة خصبة لتطوير أعراض القلق أو الوسواس لدى من لديهن استعداد لذلك.

وتُظهر مراجعة علمية نشرتها دورية “بابميد” (PubMed) الطبية أن أعراض الوسواس خلال الحمل وما بعد الولادة المتمثل في المخاوف المتعلقة بإيذاء الطفل عرضا، إضافة للتحقق المتكرر وطلب الطمأنة من الآخرين (بما في ذلك بالبحث ومراقبة التطبيقات)، من الأعراض الشائعة في حالات وسواس ما بعد الولادة.

إعلان

ووثقت مجلة “بارنتس” أيضا تجربة إحدى الأمهات التي ارتبط تسجيل كل رضعة و”حفّاظ” وقيلولة في ذهنها بمعنى أن تكون “أما جيدة”. وأوضحت أنها كلما سجلت تفاصيل أكثر، ظهرت لها تفاصيل جديدة يمكن أن تقلق بشأنها، إلى أن أصبح التطبيق جزءا من السلوك القهري المصاحب لوسواس ما بعد الولادة لديها.

لذلك وبالرغم من أن التطبيقات لا تخلق الاضطراب، فإنها قد تزيد الأعراض لدى الأمهات الميالات إلى الكمال والإنجاز المفرط والمثالية.

كيف تصبح التكنولوجيا مصدرا للدعم لا القلق؟

بطبيعة الحال، يمكن للمرأة أن تستخدم التطبيقات الرقمية للحصول على المساعدة اللازمة، وعدم رفض التكنولوجيا بشكل كامل. فبعض التطبيقات الرقمية قد تقدم دعما نفسيا ومصدرا تعليميا، خاصة عندما يكون محتواها موثوقا ومصمما لمساعدة الأم، لا لإبقائها في حالة مراقبة مستمرة.

وقد وجدت مراجعة منهجية نشرتها مجلة “جي إم آي آر” (JMIR) أن بعض التدخلات النفسية الرقمية الموجهة لفترة ما بعد الولادة حققت آثارا إيجابية في تخفيف أعراض القلق والاكتئاب. ومن أبرز المعايير التي تطمئن الأمهات أن استخدامهن للتطبيق صحي ومفيد:

  • عندما تساعد في حل مشكلة واضحة ومحددة (مثل متابعة الرضاعة أو الوزن لفترة قصيرة).
  • عندما يطلب الطبيب تسجيل بيانات معينة لمتابعة حالة صحية.
  • عندما تمنح الأم تنظيما بسيطا في الأيام الأولى دون أن يستنزفها.
  • عند الإحساس بالراحة والاطمئنان بعد الاستخدام، لا القلق أو الذنب.
  • عندما يمكن إغلاق الهاتف وتركه جانبا دون شعور بالخوف أو التفويت.

وعندما تصبح المراقبة قهرية، أو تمنع الأم من النوم والراحة، أو تسيطر عليها أفكار مخيفة ومتكررة، أو تشعر بأنها لا تستطيع رعاية طفلها دون فحص مستمر، فإنها لا تحتاج إلى تطبيق أدق، بل إلى دعم إنساني متخصص. وقد يشمل ذلك طبيب الأسرة أو طبيبة النساء، أو اختصاصيا في الصحة النفسية خلال الحمل وما بعد الولادة.

المصدر: الجزيرة