فيلم “قتل آنا”.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة التضامن

  • Home
  • Arabic
  • فيلم “قتل آنا”.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة التضامن
فيلم “قتل آنا”.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة التضامن

فيلم “قتل آنا”.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة التضامن

حفظ

بين ثقل الشهادة والواجب.. الباحثة أنصار شحود تروي فصول اختراق شبكات ضباط النظام وإسقاط الجاني المصدر Dogwoof Releasing

يعيد المخرج صناعة الأحداث بلقطات تمزج بين الأرشيف الموثق لمكالمات أنصار مع الضباط ولقطات الشاشة والوثائق المختلفة، وبين المشاهد المعاد تمثيلها لأغراض البناء الحدثي والدرامي.

إعلان

وساعد هذا المنطق في تركيب لغة سينمائية ناضجة ومتوازنة تمكنت من التعبير عن مختلف التجليات التي عاشتها أنصار وفريقها، من اختراع شخصية “آنا ” على فيسبوك وتحقيقها مئات الاختراقات لضباط في النظام، مرورا بالتحديات المختلفة وخيبات الأمل المتعاقبة التي ألمت بالفريق بسبب الإخفاق في تحديد هوية الجاني الظاهر في تسجيل المجزرة، وليس انتهاء مع تصوير التجربة النفسية المرعبة التي خاضتها أنصار وهي توثق جميع الضحايا الذين لقوا حتفهم بالحفرة.

خيبة سردية ومفارقة مرعبة

أعطت أنصار لشخصية آنا الوهمية خصائص أيديولوجيا مماثلة لتلك التي لضباط النظام؛ فآنا باحثة سورية تعمل على بحث جامعي تريد من خلاله إثبات سردية النظام في مقاومته للإرهاب، وهي الخصيصة التي دفعت عشرات الضباط إلى قبول طلبات صداقتها على فيسبوك، والتعاون معها وإجلاء طبيعة عملهم لها.

وبعد أكثر من عامين من البحث المتأني على الإنترنت وفي مواقع التواصل الاجتماعي عن شخص تطابق صورته صورة الشخص الذي ارتكب الجريمة، تقف أنصار في أحد الأيام على صورة مشابهة جدا، تتأملها جيدا، ثم ترسلها إلى الفريق لإجراء عمليات المطابقة، وما هي إلا ساعات حتى تأكد الفريق من أنهم أمام صورة الشخص المنشود.

تقوم أنصار سريعا بإضافة صاحب الصورة (أمجد يوسف) على فيسبوك ومراسلته، وفي مارس/آذار 2021، تتلقى أنصار من أمجد يوسف اتصالا؛ فتطلعه على بحثها الجامعي وتطلب منه مساعدة لبناء سردية تؤيد النظام، فيشعر أمجد بالخطر، وينهي المكالمة على وعد بمحادثة أخرى، ليغيب بعد ذلك متجاهلا مراسلات آنا التي بدأت الخيبة تتسلل إليها ولأعضاء الفريق.

جغرافيا المجزرة.. لقطات توثيقية تتبع مسار الوصول إلى حفرة حي التضامن والفرع 227 مخابرات المصدر Dogwoof Releasing

لحظة الكشف

من العدم تقريبا، تتلقى أنصار (آنا) اتصالا مفاجئا من أمجد يوسف، تعد نفسها جيدا للحوار، تفتح الكاميرا والميكروفون وإذ بأمجد ثمل، محمر العينين، يكتفي بقميص أبيض داخلي يستر فيه الجزء العلوي من جسده.

إعلان

تستوعب أنصار أن المجرم/الفريسة بحالة مثالية للاقتناص. يفتتح حديثه بصوت خفيض مع تركيز لافت على ملامحها، تنصت هي إليه باهتمام بالغ، وتتقمص وجها طفوليا ومتعاطفا لا تخفى عنه لمحات الإعجاب المصطنعة بمحدثها.

وبذكاء متقد، وحنكة مدفوعة بصوت الواجب تجاه ضحايا المجزرة، تقتنص أنصار نقطة ضعف أمجد، وتجذبه إليها وتراوغ بالحديث، فيكشف لها عن وهن نفسي يعيشه بعد سنوات القتال، وتستوعبه بدورها ليأمن إليها، فتتداعى الكلمات من بين شفتيه: “انتقمت لأخي من يلي قتلوا، وقتلت كتير منون. “

وفي 27 أبريل/نيسان 2022، يفيق العالم على هول جريمة جماعية بشعة ارتكبت بحق مدنيين سوريين، ومن خلفهم الإنسانية جمعاء، بعد نشر نتائج التحقيق في صحيفة الغارديان (The Guardian) البريطانية.

فضاءات الترقب.. كيف عاش الفريق سنوات من العزلة خلف الشاشات لتعقب خيوط الجريمة المصدر Dogwoof Releasing

رحلة علاج شاقة وحفاظ على الذاكرة

مع انتزاع اعتراف أمجد ونشر التحقيق، تتعقد قدرة أنصار على الخروج من شخصية “آنا “؛ فأربع سنوات من التقمص وما رافقها من “تعاطف أيديولوجي مصطنع ” مع الجناة خلفت ألما وكوابيس وانفصالا عن الواقع.

ولإبراز الأثر النفسي للتحقيق على أنصار، يعيد الفيلم تشكيل علاقتنا مع أرشيف الجريمة لا كدليل وحسب، ولكن بوصفه تجربة نظر؛ فالإيقاف والتكرار وتسجيل الوجوه يجعل الصورة عالقة في الذاكرة، ويحول عملية التحقق من هوية القاتل إلى عبء نفسي على أنصار.

ويبلغ هذا الاختيار الفني ذروته في مشهد إحصاء الضحايا، حين تختزل شحود هول الجريمة إلى تفاصيل بشرية مقتضبة: امرأة محجبة في الأربعين، رجل مسن يبدو أنه تعذب.

وللخروج من هذا الجحيم النفسي، تخوض أنصار في رحلة علاج طويلة، تقول عنها: “خيرتني معالجتي إما أن أكون أنصار أو آنا .. واخترت أن أكون أنصار. “

ومن هذا القرار يأخذ عنوان الفيلم “قتل آنا ” معناه؛ فمع اقترابه من النهاية نشاهد شحود تشارك في حرق الغرفة المصممة للتصوير وتقول: “وداعا آنا “. وبحسب منتجة الفيلم تشارلي واي فيلدمان، فإن المخرج كان قد اقترح بناء المكان وإحراقه لتجسيد مشهد الوداع، بينما اختارت أنصار المشاركة في إشعال النار كفعل استشفاء لاستعادة اسمها وشخصيتها الحقيقية.

وبالتوازي تتقاطع مشاهد تخلي أنصار عن شخصية “آنا ” مع خلع حازم عبد الله قناعه وظهور وجهه لأول مرة، فتكون عودة كليهما إلى الشخصية الحقيقية علامة على تغير ظروف وشروط الحياة بعد غياب مسببات الخوف. وبينما يمنح الحريق للباحثة لحظة تطهير أخيرة ومؤثرة، يبقى خوفها وكوابيسها بصورة القاتل أمرين يجعلان التعافي مسارا يحتاج إلى وقت يتجاوز نهاية اللقطة.

وأتاح سقوط النظام لصناع الفيلم إمكانية مقابلة الناجين وأهالي الضحايا وعرض شهاداتهم، التي تغير مركز الحكاية قبل نهاية الفيلم؛ إذ يعرض ناجٍ أثر الرصاص الذي اخترق جسمه أمام الكاميرا، بينما يرفع أب صورة ولديه اللذين قُتلا في المجزرة، ويعدد رجل أخر أفراد عائلته الذين دفنوا في الحفرة.

وفي الختام، يؤخذ على الفيلم عدم إشراك الأخوين السوريين يوسف ويزن اللذين قاما بتسريب مقطع المجزرة إلى الغارديان باعتبارهما بطلين إضافيين من أبطال هذا الكشف.

المصدر: الجزيرة