رشاشات على واجهات متاجر فرنسية تحسبا لأعمال النهب.. ما حقيقة المقطع المتداول؟

  • Home
  • Arabic
  • رشاشات على واجهات متاجر فرنسية تحسبا لأعمال النهب.. ما حقيقة المقطع المتداول؟
رشاشات على واجهات متاجر فرنسية تحسبا لأعمال النهب.. ما حقيقة المقطع المتداول؟

بالتزامن مع دعوات نقابات طلابية في فرنسا إلى استئناف الاحتجاجات بعد ثالث موجة مظاهرات، انتشر على منصات التواصل مقطع فيديو زُعم أنه يوثق خطوة غير مسبوقة اتخذها أصحاب متاجر لحماية واجهات محلاتهم تحسبا لأعمال النهب.

ويزعم الادعاء أن متاجر فرنسية فاخرة في العاصمة باريس زوّدت واجهاتها برشاشات فتاكة ذاتية الحركة، تحسبا لأي أعمال نهب أو سرقة قد تتخلل الاحتجاجات التي تشهدها البلاد بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور قطاع التعليم والسياسات الحكومية.

وكانت الموجة الأولى من هذه الاحتجاجات قد أسفرت عن مشاهد فوضى عارمة، تخللها إضرام النار في مبان عامة ونهب آلاف المتاجر في مراكز المدن الكبرى، خصوصا في باريس وليون ومرسيليا.

أخبار مقترحة

من نشر المقطع؟

بدأت القصة حين نشر حساب باسم (Alina d’Aquitaine) المقطع على منصة إكس في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مرفقا بعبارة “احتجاجات 31 أكتوبر. المحلات التجارية تستعد”، ما أوحى بأنه إجراء وقائي حقيقي، وحصد المنشور أكثر من مليون مشاهدة.

ويُظهر المقطع أسلحة ثقيلة ذاتية الحركة مثبتة في اتجاهات متعددة فوق لافتة المدخل الرئيسي للمتجر، وقُدمت المشاهد على أنها إجراءات احترازية غير مسبوقة لحماية المتاجر من الشغب والتخريب.

كما يوثق المشهد واجهة متجر مستحضرات التجميل الشهير “سيفورا” (SEPHORA) وقد تحولت، وفق أصحاب هذا الادعاء، إلى “حصن عسكري”، وهو ما أكسب المقطع ملايين المشاهدات على مواقع التواصل.

وأعادت حسابات عدة نشر المقطع بالرواية نفسها، زاعمة أن المتاجر “تستعد لما قد تحمله الساعات المقبلة”، في حين رأت أخرى أن ما يظهر فيه تجسيد لمقولة “الوقاية خير من العلاج”.

في المقابل، شكك مستخدمون آخرون على إكس في صحته، معتبرين أنه لا يمثل الواقع، وأنها لقطات تخيلية لما قد تكون عليه المتاجر في باريس وليون بعد الاحتجاجات.

ما حقيقة المقطع؟

تحققت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة من المقطع وتبين أنه مزيف وغير حقيقي.

أظهر التحليل البصري للمقطع تناقضات في شعار علامة منتجات التجميل “سيفورا” الذي ظهر فيه؛ فالشعار الحقيقي للسلسلة المعروفة بكتابة بيضاء على خلفية سوداء، بينما ظهر في المقطع بلون برتقالي مضيء.

ويؤكد البحث عن فروع السلسلة في فرنسا عبر أرشيف موقع “شترستوك” (shutterstock) هذا الاختلاف الواضح.

مقارنة بصرية تبرز ظهور شعار “سيفورا” بشكلين مختلفين في لقطتين من المقطع المتداول ذاته (مواقع التواصل)

وللتثبت أكثر، لجأنا إلى خدمة “التجول الافتراضي” في خرائط غوغل للوصول إلى فرع سيفورا في قلب العاصمة، وتحديدا في شارع الشانزليزيه.

وتبين من الصور الملتقطة في يونيو/حزيران 2024 أن الشعار يظهر بشكل مختلف تماما عما ورد في المقطع.

كما أظهر التحليل أن السلاح في الفيديو صُمم بوصفه مزيجا بين الرشاش الحربي الشهير براوننغ (M2 Browning) وروبوتات المصانع الذكية، إذ استعير له شكل جسم الرشاش الضخم، وغطاء الماسورة الأسطواني المثقوب، وشريط الذخيرة المعدني من أسلحة براوننغ الثقيلة.

وجرى تثبيت السلاح على ذراع آلية مفصلية تخرج من الجدار، مستوحاة هندسيا من أذرع الروبوتات متعددة المحاور، تمنح السلاح حرية الدوران والرفع والتمدد في كل الاتجاهات، وهو تصميم يحاكي منظومات الأبراج الدفاعية الآلية ومنصات التوجيه عن بُعد.

وإلى جانب ذلك، تضمن المقطع أخطاء بصرية، منها ظهور الأشخاص والعمال بأطراف مشوهة، كالأصابع التي بدت مشوهة أو مختفية في بعض اللقطات، ما يرجح أنه مولد بالذكاء الاصطناعي.

لقطات من حساب (Jaranor Films) توثق اعتماده على نشر محتوى تخيلي مولد بالذكاء الاصطناعي (إنستغرام)

ماذا يقول القانون الفرنسي؟

وخلافا لما يروجه المقطع، تمنع التشريعات المنظمة لأسلحة ومعدات الحرب من الفئة (A)، المنشورة على بوابة الخدمات العامة الرسمية للحكومة الفرنسية، منعا باتا على الأفراد والشركات الخاصة حيازة أو تشغيل الأسلحة النارية الأوتوماتيكية أو الرشاشات الثقيلة أو الأنظمة الآلية المغذاة بسلاسل الذخيرة.

كما أن قانون الأمن الداخلي يجعل مهمة حفظ الأمن وحماية الممتلكات أثناء المظاهرات اختصاصا حصريا للدولة عبر أجهزتها الرسمية، أي الشرطة والدرك.

ولا يُسمح للمتاجر قانونا إلا باستخدام وسائل الحماية السلبية المصرح بها، مثل الألواح الخشبية والحواجز المعدنية، أو الاستعانة بحراس أمن مدنيين غير مسلحين.

لقطة شاشة من بوابة الخدمات العامة للحكومة الفرنسية توضح حظر حيازة أسلحة الحرب والرشاشات الآلية (الموقع الرسمي للحكومة الفرنسية)

وبناء على ذلك، فإن هذا المشهد لا يمت إلى الواقع بصلة، بل مجرد خدعة بصرية مركبة رقميا صُممت لأغراض السخرية والفكاهة وجذب المشاهدات، وقد أسهمت حسابات عدة في إعادة ترويجها على نطاق واسع.

الاستعدادات الحقيقية

في المقابل، كانت متاجر كبرى في باريس قد استعدت فعلا للاحتجاجات بتحصين واجهاتها الخشبية، خشية تعرضها للتخريب خلال مظاهرات 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وعمدت متاجر السلع الفاخرة إلى تغطية واجهاتها الزجاجية، بالألواح الخشبية، وأضافت حراس أمن قبل الاحتجاجات، بينما يعتزم بعضها البقاء مغلقا بعد أعمال النهب التي شهدتها أنحاء عديدة من البلاد خلال الاحتجاجات السابقة.

ورأت بعض المتاجر أن فتح أبوابها ينطوي على مخاطر كبيرة بعد أحداث الأسبوع الماضي، حين حطّم محتجون مئات المتاجر في باريس ومرسيليا وبوردو ونهبوها.

ومنذ منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اتسعت رقعة تظاهرات الشباب في فرنسا لتنضم إليها فئات أخرى، ورغم أن الحراك بدأ قبل أسابيع للمطالبة بدعم الكوادر التعليمية وتجهيز المدارس، فإن الاحتجاجات باتت تستهدف بالأساس الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة.