
أذربيجان تضبط علاقتها بإسرائيل.. تراجع أم إعادة تموضع؟
حفظ
لكن الوساطة لا تعني تساوي الطرفين في الحسابات الأذربيجانية؛ ففي تقرير أغسطس/آب 2026، ينقل إلماس عن الباحث في الشؤون التركية حي إيتان كوهين يانروجاك أن باكو تستطيع التضامن مع أنقرة من دون كسر العلاقة مع إسرائيل، لكنه يؤكد أنه إذا اضطرت للاختيار “فسيكون الميل بوضوح لصالح تركيا”.
إعلان
ولهذا كلما تصاعد الخلاف التركي الإسرائيلي، تقل مساحة مناورة علييف، خاصة في سوريا وغزة والملف الأرميني. فتركيا بالنسبة إلى أذربيجان ليست مجرد شريك، بل حليف قومي وإستراتيجي يقوم ارتباطه به على مفهوم “أمة واحدة ودولتان”.
غزة تختبرها
قصة قوة الاستقرار الدولية في غزة تقدم الاختبار الأوضح لهذه المعادلة؛ ففي 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 نقلت يديعوت أحرونوت عن مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن أذربيجان كانت، إلى جانب إندونيسيا وباكستان، بين الدول المتوقع أن ترسل قوات إلى القطاع.
لكن باكو بدأت بعد أيام وضع الشروط؛ ونقلت رويترز عبر يديعوت أحرونوت عن مسؤول أذربيجاني أن بلاده لن ترسل جنودا ما لم يتوقف القتال بصورة كاملة، قائلا إن أذربيجان “لا تريد المخاطرة بقواتها”، وإن أي مشاركة تحتاج إلى موافقة البرلمان.
وفي يناير/كانون الثاني 2026 كشف حزاني أن شركة الاستثمار الأذربيجانية تفاوضت لاستثمار 200 إلى 300 مليون دولار في شركة “آي دي إيه” (IDE ) الإسرائيلية لتحلية المياه، بما قد يمنحها 20 إلى 30% من الشركة.
وفي 26 يناير/كانون الثاني، ذكر أريئيل كهانا في “إسرائيل اليوم” أن زيارة وزير الخارجية جدعون ساعر لباكو تناولت توسيع التعاون في الطاقة والذكاء الاصطناعي والزراعة والمياه والدفاع والسياحة.
إعلان
أي أن أذربيجان، بالتزامن مع ضبط اندفاعها السياسي، تزيد انغماسها في أصول إسرائيلية إستراتيجية، وهو تناقض ظاهري يؤكد أن الخلاف سياسي أكثر منه انفصالا إستراتيجيا.
احتكار يتآكل
حتى السلاح لا يقدم صورة قطيعة؛ فتقرير “غلوبس” الأخير يكشف إتمام صفقة بمئات ملايين الدولارات لأنظمة “رافائيل”، لكنه يرصد في الوقت ذاته دخول الولايات المتحدة وتركيا وكوريا الجنوبية وأوروبا بقوة إلى السوق، إلى جانب توسع الإنتاج المحلي الأذربيجاني.
ويتوقع الإسرائيليون استمرار تراجع حصتهم، مع بقاء مجالات يصعب على باكو إيجاد بدائل مماثلة فيها، مثل الدفاع الجوي والرادارات البعيدة المدى والذكاء الاصطناعي وطائرات القيادة والسيطرة. كما تنتظر الصناعات الجوية الإسرائيلية حسم مناقصة قمر اتصالات تقدر بنحو 300 إلى 800 مليون دولار وسط منافسة أوروبية وتركية، إذن المشكلة الإسرائيلية ليست خسارة أذربيجان، وإنما خسارة الحصرية.
شراكة محسوبة
الأرجح أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدا من إعادة ضبط العلاقة؛ فباكو ستكون أكثر استعدادا لانتقاد إسرائيل في الملف الفلسطيني، وأشد مراعاة لأنقرة، وأكثر تنويعا لمصادر السلاح، وأقل استعدادا للتورط في مشروعات عسكرية قد تضعها مباشرة في مواجهة الفلسطينيين أو إيران.
لكن الطاقة والاستثمار والاستخبارات والتكنولوجيا والخشية المشتركة من إيران ستمنع، في المدى المنظور، انهيار الشراكة. كما أن دور باكو وسيطا بين تل أبيب وأنقرة ودمشق يمنحها قيمة إقليمية تتجاوز العلاقات الثنائية نفسها.
في الخلاصة: أذربيجان لا تنسحب من إسرائيل، وإنما تنهي مرحلة العلاقة شبه الاستثنائية التي طغى فيها الأمن والسلاح على بقية الاعتبارات؛ فحروب غزة ولبنان وإيران لم تكسر الشراكة، لكنها رفعت كلفتها، في حين جعلت تركيا وفلسطين والقضية الأرمينية حدودها أكثر وضوحا.
لذلك تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى شراكة محسوبة ومتعددة الاتجاهات وتبقى إسرائيل مهمة لباكو، لكنها لم تعد الشريك الذي يمكن تقديم علاقته على تركيا أو المجازفة من أجله بغزة والمنطقة.
