
أزمة الصيدلية المركزية.. مرضى تونس يواجهون غلاء أسعار الأدوية
حفظ
من يتحمل الزيادة؟
تطرح الزيادة الأخيرة من جديد ملف الدعم الموجّه لمنظومة الدواء عبر الصندوق الوطني للتأمين على المرض “الكنام”، ويبقى السؤال الأبرز: من سيتحمل الفارق المالي الناجم عنها، المريض أم الصندوق؟
إعلان
يجيب الخبير في الصناديق الاجتماعية والأمين العام المساعد السابق في الاتحاد العام التونسي للشغل عبد الكريم جراد بأن الدولة تحتسب نسب التغطية الاجتماعية للأدوية بالاستناد إلى سعر الدواء الجنيس (المكافئ المحلي)، لا إلى سعر الدواء الأصلي المستورد.
ويرى أن هذه الآلية تجعل الزيادات الأخيرة في الأسعار تنعكس، بدورها، على المرضى المتمتعين بالتغطية الصحية عبر الصناديق الاجتماعية، إذ ترتفع الأعباء المالية الملقاة على كاهلهم رغم استفادتهم من نظام التأمين.
إنقاذ الصيدلية
قال الرئيس السابق لنقابة أصحاب الصيدليات الخاصة نوفل عميرة: “إن مراجعة وتعديل أسعار الأدوية لم يُغطِّ الكلفة التي تتكبدها الصيدلية المركزية”.
وأوضح عميرة، في تصريح لوكالة الأنباء التونسية الرسمية، أن مراجعة أسعار الأدوية المرجعية شملت قائمة موسعة من الأصناف، مشيرًا إلى أن هذا الإجراء يندرج في إطار المراجعة الدورية للأسعار، إذ تمت مراجعتها خلال السنة الماضية وكذلك عامي 2018 و2019، غير أن هذه التعديلات لم تمكّن من تغطية الكلفة الأصلية للأدوية.
في المقابل، أكد رئيس نقابة الصيادلة زبير قيقة، في حديث مع الجزيرة نت، أن المنشور الصادر عن الصيدلية المركزية بشأن مراجعة أسعار نحو 300 دواء دخل حيّز التنفيذ فور صدوره، وأن جميع الصيدليات ملزمة بتطبيق الأسعار الجديدة.
وأوضح قيقة أن الصيدلية المركزية تحتاج إلى تعزيز سيولتها المالية حتى تتمكن من مواصلة توريد الأدوية وضمان انتظام التزود بها، بما يجنب البلاد تكرار أزمات الانقطاع التي شهدتها خلال السنوات الماضية، معتبرًا أن “أزمة تمويل قطاع الصحة والدواء في تونس أزمة عميقة وهيكلية”.
ويشير إلى أن كلفة مشتريات الصيدلية المركزية ارتفعت من نحو 30 مليون دينار (10.23 ملايين دولار) سنة 2021 إلى قرابة 300 مليون دينار (102.33 مليون دولار) في 2024، بينما تجاوزت ديونها المتراكمة 1.26 مليار دينار (429.78 مليون دولار).
ويضيف أن “جوهر الأزمة ليس سعر الدواء بقدر ما هو ضعف الأجور وتراجع القدرة الشرائية”، معتبرًا أن رفع الأسعار قد يكون ضروريًا لإنقاذ المؤسسة، لكنه جاء في سياق ضغوط مالية ونقص في العملة الصعبة، ومن دون إجراءات اجتماعية مرافقة تخفف انعكاساته على الفئات الضعيفة.
جدل نقابي
أثار القرار أيضًا انتقادات من الاتحاد العام التونسي للشغل، فقد اعتبر أمينه العام صلاح الدين السالمي أن زيادة أسعار الأدوية أحد نتائج تطبيق سياسات يربطها بوصفات صندوق النقد الدولي.
من جهته، عبّر قسم الحماية الاجتماعية والقطاع غير المنظم بالاتحاد عن رفضه للزيادات، معتبرًا أنها تمثل “مساسًا مباشرًا بالحق في العلاج”، وتحمّل المواطنين كلفة الأزمة المالية للقطاع الصحي، خصوصًا العمال ومحدودي الدخل والفئات غير المشمولة بالحماية الاجتماعية.
وقال القسم إن بعض الزيادات بلغت مستويات مرتفعة في عدد من الأدوية الحيوية، محذرًا من أن المرض قد يتحول بالنسبة إلى الفئات الهشة إلى عامل إضافي للفقر والإقصاء الاجتماعي.
إنفاق محدود
تأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه الإنفاق العمومي على الصحة محل انتقادات، فقد أشار المرصد التونسي للاقتصاد، في مذكرة تحليلية صدرت العام الماضي، إلى أن ميزانية وزارة الصحة لم تتجاوز 5.11% من الميزانية العامة للدولة، معتبرًا أن هذا المستوى من الإنفاق لا ينسجم مع هدف تعزيز الدور الاجتماعي للدولة.
كما لفت إلى أن الاستثمار العمومي في القطاع الصحي بقي دون 1% من الميزانية بين 2019 و2025، باستثناء سنة جائحة كورونا.
في المقابل، رفعت الحكومة اعتمادات وزارة الصحة في مشروع ميزانية 2026 بنسبة 8.8% لتبلغ 4.35 مليارات دينار (1.48 مليار دولار)، أي ما يعادل نحو 5.4% من الميزانية العامة، في محاولة لتعزيز تمويل القطاع.
الحق والاستدامة
تكشف أزمة أسعار الأدوية في تونس عن معضلة أعمق من مجرد مراجعة قائمة أسعار.
فالدولة تجد نفسها أمام معادلة صعبة تتمثل في الحفاظ على مؤسسة عمومية تؤمّن الجزء الأكبر من احتياجات البلاد من الدواء، في وقت ترتفع فيه كلفة الاستيراد وتتراجع الموارد المالية، ومن جهة أخرى حماية حق المواطنين في العلاج في ظل تآكل قدرتهم الشرائية.
وبين ضرورات إنقاذ الصيدلية المركزية ومتطلبات العدالة الاجتماعية، يبدو أن النقاش في تونس لم يعد يدور حول سعر الدواء فقط، بل حول مستقبل النموذج الذي حكم سياسة الدواء لعقود، وما إذا كان قادرًا على الاستمرار من دون إصلاحات هيكلية توازن بين الاستدامة المالية والحق في العلاج.
إعلان
