
“إذا رأيتموني فابكوا”.. أنهار ألمانيا تلفظ “حجارة الجوع” وأسرارا أخرى
حفظ
ولأن ظهور “حجارة الجوع” تكرر في 2018 و2022 وفي هذا العام أيضا، فقد تحوّلت هذه الحجارة إلى رمز للجفاف والتغير المناخي أكثر من كونها نذيرا بالمجاعة. ورغم أن بعض وسائل التواصل الاجتماعي يميل في الغالب إلى المبالغة والتهويل كلما ظهرت هذه الحجارة، إلا أن تداعيات الجفاف وانخفاض مناسيب مياه الأنهار بدأت تظهر بصورة ملموسة في الحياة اليومية للناس مع ارتفاع تكاليف النقل وأسعار بعض المنتجات الزراعية.
فإلى أي مدى بدأت آثار هذه الأزمة تظهر بالفعل في حياة الناس اليومية؟
ينقل الموقع الإخباري “تاغسشاو” عن توماس بولس، المسؤول عن قسم دراسات النقل والبنية التحتية في معهد الاقتصاد الألماني قوله إن قطاع نقل البضائع أصبح في ظل الأوضاع الراهنة أكثر تكلفة. فقد ارتفعت أسعار نقل البضائع من منطقة الراين باتجاه ميناء روتردام إلى نحو أربعة أضعاف لأن السفن لم تعد قادرة على الإبحار إلا بحمولات خفيفة جدا.
إعلان
ومع انخفاض منسوب المياه ـ يضيف الخبير ـ من المرجح أن تنقطع طرق النقل عبر نهر الراين قريبا. وبسبب محدودية الطاقة الاستيعابية للنقل عبر الطرق البرية والسكك الحديدية على امتداد الراين، لا يمكن تحويل هذه الكميات من البضائع إلا جزئيا وبتكلفة مرتفعة جدا. وقد أعلنت بعض الشركات بالفعل أنها تعتزم خفض إنتاجها.
ووفق الموقع، فإن ارتفاع تكاليف النقل سيؤدي إلى زيادة أسعار بعض المنتجات الغذائية ولكن قبل كل شيء أسعار الوقود التي ارتفعت بالفعل في المناطق الواقعة على نهر الراين مقارنة ببقية المناطق في ألمانيا.
ويعود ذلك إلى أن النقل النهري يعد جزءا مهما من سلاسل إمداد الوقود وبالتالي فإن ارتفاع تكاليف النقل يمكن أن يصل بسرعة إلى المستهلك. كما أنه من المتوقع أن تؤدي أزمة النقل على نهر الراين إلى زيادة إضافية في تكاليف قطاع البناء.
ارتفاع أسعار المواد الغذائية
وبعيدا عن انخفاض منسوب مياه نهر الراين، بدأت آثار الجفاف تظهر بالفعل في المتاجر. فقد ارتفعت أسعار العديد من أنواع الخضراوات الطازجة والبطاطس المزروعة في الحقول المفتوحة بشكل خاص بسبب تراجع المعروض. ويشمل ذلك خصوصا أنواع الخس إضافة إلى بعض أنواع الملفوف مثل البروكلي والقرنبيط والجزر.
في هذه الأثناء ـ يضيف موقع “تاغسشاو” ـ تحاول المزارع الألمانية التكيف بصورة متزايدة مع آثار التغير المناخي. ووفقا لغرفة الزراعة في ولاية شمال الراين وستفاليا، بدأ العديد من المزارعين في تغيير أساليب الزراعة بما في ذلك استخدام أصناف نباتية أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية الجديدة، وزراعة أصناف متعددة لتوزيع المخاطر.
هذا القبول لا يغير حقيقة أن تراجع منسوب المياه يهدد ألمانيا على المدى المتوسط بفقدان مورد أساسي للحياة وقد أصبحت تداعيات ذلك على الاقتصاد والصناعة، وكذلك على صحة السكان، خطيرة بالفعل. ومع ذلك، تقوم سياسة الحكومة الألمانية على تجاهل المشكلة والاستمرار في انتظار تحسن الأحوال، وكأن الرسالة هي: “لا تقلقوا، ستمطر من جديد”.
إعلان
قطاع الزراعة
من طرفها، تقول مجلة “فوكوس” في مقال بعنوان “نهر الراين يجف ونحن ندفع الثمن” إن الجفاف في ألمانيا لم يعد مشكلة بيئية فحسب، بل بدأ يتحول إلى مشكلة اقتصادية تمس الحياة اليومية للمواطنين. فانخفاض منسوب النهر يعرقل حركة الملاحة ويرفع تكاليف نقل الفحم والمواد الكيميائية والحبوب والوقود وهو ما قد ينعكس تدريجيا على أسعار بعض السلع والوقود.
وفي الوقت نفسه، يتعرض قطاع الزراعة لضغوط كبيرة بسبب تراجع المحاصيل وارتفاع تكاليف الري خصوصا في زراعة الحبوب والخضراوات والبطاطس. كما يمكن أن يؤدي استمرار فترات الجفاف إلى زيادة تكاليف توفير مياه الشرب، بسبب الحاجة إلى الآبار والخزانات وشبكات المياه الجديدة. كما يؤثر ارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه على إنتاج الكهرباء لأن بعض محطات الطاقة تعتمد على مياه الأنهار في التبريد.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن ألمانيا تتجه إلى المجاعة أو إلى أزمة مياه شاملة، فإمدادات مياه الشرب ما تزال مضمونة على المستوى الوطني. كما يمكن تعويض جزء من نقص المحاصيل بالاستيراد. لكن تكرار موجات الجفاف يجعل الاقتصاد أكثر هشاشة.
من هنا يمكن القول إن ظهور “حجارة الجوع” كان في الماضي يذكّر بأن انخفاض منسوب الأنهار قد يقود إلى قلة المحاصيل وارتفاع الأسعار والمعاناة، بينما تكشف هذه الظاهرة اليوم أن الجفاف لا يعني بالضرورة المجاعة، لكنه يمكن أن يتحول إلى فاتورة اقتصادية يدفع المجتمع ثمنها تدريجيا.
