الطباعة الضوئية المتقدمة.. لماذا يصعب على الصين كسر الاحتكار؟

  • Home
  • Arabic
  • الطباعة الضوئية المتقدمة.. لماذا يصعب على الصين كسر الاحتكار؟
الطباعة الضوئية المتقدمة.. لماذا يصعب على الصين كسر الاحتكار؟

تكنولوجيا

الطباعة الضوئية المتقدمة.. لماذا يصعب على الصين كسر الاحتكار؟

حفظ

الطباعة الحجرية تستخدم الضوء لنقل أنماط الدوائر إلى طبقة حساسة على رقاقة السيليكون ضمن مراحل تصنيع متعددة (بيكسلز)

وتُزال تلك المناطق اللينة كاشفة عن طبقة السيليكون الموجودة تحتها، مع نقل الرقاقة إلى جهاز لحفر النمط المطلوب في السيليكون المكشوف وملء الفراغات المحفورة بمعادن من أجل ربط الترانزستور بمصدر الطاقة، مع جمع هذه الطبقات المحفورة معا لتشكل شبكة معقدة من الترانزستورات.

إعلان

ومع مرور الوقت، طورت منظومة تصنيع أشباه الموصلات تقنيات حفر أكثر تطورا، معتمدة على أطوال موجية ضوئية أصغر فأصغر، حيث يساعد قصر موجة الضوء، إلى جانب تحسين البصريات والعملية التصنيعية، في طباعة أنماط أدق، وزيادة كثافة العناصر، بما يتيح تحسين الأداء وكفاءة الطاقة.

واعتمدت الصناعة لسنوات طويلة على تقنية ضوء “الأشعة فوق البنفسجية العميقة” (DUV) بطول موجي قدره 193 نانومتر، التي أتاحت إمكانية إنشاء تفاصيل بدقة 22 نانومتر، لكن الاعتماد على هذه التقنية وحدها من أجل تصغير الأنماط يرفع عدد الخطوات ويزيد التعقيد والتكلفة.

وهنا جاء دور “الأشعة فوق البنفسجية القصوى” بطول موجي قدره 13.5 نانومتر، أي أقصر بنحو 14 مرة من طول موجة “الأشعة فوق البنفسجية العميقة”، والتي استغرقت “إيه إس إم إل” قرابة عقدين لتطويرها قبل أن يبدأ الإنتاج التجاري الكمي للرقاقات المصنعة باستخدامها عام 2019.

وأصبحت المصانع تستخدم “الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى” في الطبقات الأشد تعقيدا من المعالجات والذاكرات المتقدمة.

فيزياء الضوء على مستوى النانومتر

يبدأ التعقيد من مصدر الضوء نفسه، حيث تعتمد “إيه إس إم إل” على تقنية تعرف باسم “البلازما الناتجة عن الليزر” (LPP) لتوليد ضوء “الأشعة فوق البنفسجية القصوى”.

وفي هذه العملية، تقذف الآلة 50 ألف قطرة صغيرة في الثانية من القصدير المنصهر لتضرب كل قطرة نبضتين ليزريتين منفصلتين، حيث تعمل النبضة الأولى على تشكيل قطرة القصدير، بينما تتولى النبضة الثانية توليد البلازما التي تصدر ضوء “الأشعة فوق البنفسجية القصوى” بطول موجي 13.5 نانومترا.

كارل زايس تتولى البصريات، وتشارك سايمر في مصدر الضوء، فيما تطور ترامبف منظومة الليزر العالي القدرة (بيكسلز)

وتنتج “كارل زايس” أنظمتها البصرية عبر عقود من البحث في علم المواد والطلاءات النانومترية والقياس الضوئي والتصنيع في بيئات نظيفة، حيث تؤثر عيوب السطح والطلاء في الضوء المتاح وجودة الصورة.

إعلان

في حين تعد “سايمر” (Cymer) مساهمة في تسريع تطوير مصدر ضوء “الأشعة فوق البنفسجية القصوى” عبر تطويرها القدرة على توليد إشعاع 13.5 نانومتر بكفاءة كافية للاستخدام الصناعي.

ويأتي الليزر الذي يضرب قطرات القصدير من “ترامبف” (Trumpf)، التي تطور ليزرات ثاني أكسيد الكربون العالية الطاقة لهذا الغرض.

لماذا لا يكفي تفكيك الآلة؟

معرفة المبدأ الفيزيائي لا تكفي لبناء نظام صناعي منافس، حيث استغرقت “إيه إس إم إل” وشركاؤها أكثر من عقدين لتطوير التقنية مع إنفاق أكثر من 6 مليارات يورو (نحو 6.5 مليارات دولار) خلال 17 عاما.

وهذه الآلة ليست منتجا من شركة واحدة، إذ تأتي التقنيات والمكونات من شبكة من الشركات والموردين المختلفين العابرين للقارات.

وتظهر محاولة نسخ آلة بهذه الدرجة من التعقيد وجود مئات التفاصيل الصغيرة، من حرارة المرايا إلى معايرة المصدر، حيث لا تختزل المخططات وحدها الخبرة اللازمة لتصنيع المكونات وضبطها وتشغيلها.

يرفع الجيل الجديد الفتحة العددية من 0.33 إلى 0.55، مما يسمح بتصوير تفاصيل أدق مقابل نظام بصري أكبر وأكثر تعقيدا (إيه إس إم إل)

وتمثل آلات “الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى ذات الفتحة العددية العالية” نقلة نوعية تتيح للمصانع طباعة تفاصيل أكثر دقة، ومضاعفة كثافة الترانزستورات، ودعم عقد التصنيع التي تقل عن 2 نانومتر.

لكن هذا التطور يأتي بتكلفة مرتفعة، حيث إن الانتقال إلى فتحة عددية أعلى يستلزم تصميما بصريا مختلفا، ومرايا أكبر وأكثر تعقيدا، وأنظمة إضاءة وإسقاط جديدة، إلى جانب متطلبات أشد للقياس والمحاذاة والتحكم الحراري.

الصين بين النموذج والمصنع

تقود “شنغهاي آيشينغنا لتكنولوجيا الإلكترونيات” (Shanghai Aishengna Electronic Technology) جهودا لإنتاج آلات “الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية العميقة الغامرة” (immersion DUV) المصنوعة محليا.

وتخطط الشركة المملوكة للدولة لتصنيع 5 آلات من هذا النوع هذا العام و 20 آلة عام 2027، مقابل 131 آلة من الفئة نفسها لشركة “إيه إس إم إل” عام 2025.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، نشرت “رويترز” تقريرا استقصائيا تحدث عن بناء الصين نموذجا أوليا لآلة “الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى”.

إعلان

ووفقا للتقرير، فقد استطاع النموذج توليد ضوء “الأشعة فوق البنفسجية القصوى”، لكنه لم ينتج رقاقات عاملة في ذلك الوقت.

خطط المعدات المحلية ومحاولات بناء نموذج تكشف عن تقدم في تطوير المعدات، لكنها لا تثبت بعد الوصول إلى إنتاج تجاري (بيكسلز)

في حين أفاد تحليل نشرته مجلة “ذا دبلومات” (The Diplomat) بأن معاهد صينية أحرزت تقدما في أبحاث مصدر الضوء ونماذجه الأولية، لكنه شدد على أن التحدي يشمل المواد الحساسة للضوء العالية النقاء والوصول إلى قدرة كافية للإنتاج التجاري.

وتوضح “رويترز” أن الصين تهدف إلى إنتاج النموذج لرقاقات عاملة بحلول عام 2028، بينما رأت مصادر قريبة من المشروع أن عام 2030 أكثر واقعية.

وتسعى الصين إلى تجاوز غياب آلات “الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى” عبر استخدام آلات “الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية العميقة” من أجل إنتاج الرقاقات المتقدمة.

وتعتمد في ذلك على تقنيات تعدد الأنماط، أي توزيع النمط على خطوات إضافية، لكن هذه الطريقة ترفع التكلفة وتطيل زمن التصنيع وتزيد احتمالات العيوب.

وتظهر هذه التفاصيل الفرق الجوهري بين توليد ضوء “الأشعة فوق البنفسجية القصوى” وتصنيع الرقاقات بواسطته، حيث إن الفارق بين الحالتين هو الفارق بين إشعال مصدر ضوء في المختبر وبناء نظام متكامل يعمل لساعات طويلة بإنتاجية عالية وبنسبة عيوب منخفضة.

الصيانة تدخل معركة القيود

منذ عام 2019، لم تحصل صادرات آلات “الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى” إلى الصين على التراخيص اللازمة، تحت ضغط أمريكي بدأ في الإدارة الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، واستمر وتكثف في السنوات اللاحقة.

وتوسعت ضوابط تصدير لتشمل نماذج متقدمة من آلات “الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية العميقة الغامرة”، مما يحد من قدرات الصين على توسيع إنتاج الرقاقات المتقدمة بكفاءة.

ويؤدي تقييد الصيانة والقطع بمرور الوقت إلى تراجع الجاهزية والإنتاجية، حيث تحتاج الآلات إلى فحص دوري، وقطع استهلاكية، وتحديثات برمجية، ومهندسين متخصصين.

وفي عام 2024، أوضحت الحكومة الهولندية أن الشركة بحاجة إلى ترخيص لتوفير قطع الغيار وتحديثات البرمجيات لمعدات تصنيع الرقاقات الإلكترونية التي باعتها سابقا لعملاء صينيين.

فيما بدأ الكونغرس الأمريكي في العام الحالي مناقشة مشروع قانون يسمى “ماتش” (MATCH) يهدف إلى تشديد الرقابة على تصدير معدات وأدوات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين.

ختاما، تجسد آلة “الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى” منظومة معرفية وهندسية وصناعية متكاملة، تتضافر فيها البصريات ومصادر الضوء وأنظمة الحركة والقياس والتحكم، إلى جانب شبكة موردين وخبرات تراكمت على مدى عقود.

وقد تتقدم الصين في بناء بدائل محلية، لكن تحويل نموذج أولي إلى آلة ذات إنتاجية تجارية يظل تحديا يتجاوز قدرات الهندسة العكسية المباشرة. ومن هنا يصبح التحكم في هذه الآلات عنصرا من عناصر النفوذ في سباق أشباه الموصلات العالمي.

المصدر: الجزيرة + وكالات