
تونس ترصد “ذهب البطاريات”.. 142 ألف طن في شط الجريد
حفظ
من أين جاء الليثيوم؟
ولفهم مصدر هذا الليثيوم، انطلق حسن ورفاقه في دراستهم من فحص الخصائص الجيولوجية للحوض، واستعانوا في ذلك بأبحاث سابقة في التكتونية وعلم البراكين، ليضعوا فرضية تنطلق من أن الصخور البركانية والرسوبية المحيطة بالحوض تحتوي على الليثيوم ضمن معادنها، وعندما تتفاعل السوائل التي تتحرك في باطن الأرض، والتي قد تكون ساخنة بفعل الحرارة الجوفية مع الصخور تساعد على إذابة بعض مكوناتها ونقل الليثيوم معها، وهو أمر يمكن تشبيهه بوضع قطعة من الصخور تحتوي على أملاح قابلة للذوبان في الماء، ثم تمرير الماء فوقها مرارا، لينتقل مع الوقت جزء من تلك الأملاح إلى الماء.
إعلان
وتسمح الصدوع، وهي كسور في الصخور بمرور هذه السوائل الحاملة لليثيوم عبر أعماق الأرض، وعندما تصل إلى الحوض الملحي، يمكن أن يسهم تراكم العنصر فيها، إلى جانب عمليات أخرى مثل التبخر، في نشوء مناطق يرتفع فيها تركيزه.
ورصدت الدراسة بالفعل تفاوتا مكانيا في تركيز الليثيوم، مع ارتفاع ملحوظ في القطاع الشمالي الغربي من الحوض.
لكن حسن يصف هذا التفسير الجيولوجي بأنه فرضية قوية تحتاج إلى مزيد من الاختبار والتحقق، مضيفا أنه يشجع فرقاً بحثية أخرى على دراستها والتحقق منها بصورة أعمق.
أين تتركز الكميات الكبرى؟
ولم يكتف الباحثون في منهجيتهم المستخدمة في الدراسة بأخذ عينة واحدة وتعميم نتائجها على الحوض بأكمله، بل جمعوا عينات من مواقع متعددة، ثم استخدموا نظم المعلومات الجغرافية لإعداد خريطة توضح التوزيع المكاني لليثيوم.
ويقول حسن: “كشفت نتائجنا عن منطقة مرتفعة التركيز في القطاع الشمالي الغربي، أطلق عليها الباحثون اسم (المنطقة الثانية)، وصل فيها التركيز إلى نحو 51 جزءا في المليون، وفي المقابل، سُجلت تراكيز أقل في قطاعات أخرى أقل نشاطا من الناحية التركيبية “.
ويوضح أن “هذه النتائج تساعد على تحديد المناطق التي تستحق مزيدا من الاستكشاف مستقبلا، بدلا من افتراض وجود توزيع متساوٍ لليثيوم في جميع أنحاء شط الجريد”.
إعلان
ويلفت إلى أن التركيز الأعلى في موقع بعينه، ليس كافيا لتحديد الجدوى الاقتصادية، إذ تتحكم في الجدوى عدة عوامل منها معرفة حجم المحلول المتاح، ومدى استمرارية تركيز الليثيوم به، والكمية التي يمكن استعادتها منه.
تقدير مبدئي للحجم
وإجمالا قدر الباحثون حجم الليثيوم في شط الجريد بنحو 142 ألفا و500 طن من الليثيوم.
واعتمد الباحثون في الوصول لهذا الرقم، على تقديرهم لحجم المحلول الملحي بكل مكوناته بنحو 5 مليارات متر مكعب، ومتوسط تركيز مصحح لليثيوم يصل إلى 28.5 جزءا في المليون تقريبا، وبضرب حجم المحلول في متوسط التركيز، توصلوا إلى تقدير يبلغ نحو 142 ألفا و500 طن من الليثيوم.
ويشدد حسن على أن هذا التقدير ينبغي التعامل معه على أنه ليس قياسا نهائيا لحجم الليثيوم الموجود في الحوض، والسبب أن حساب الحجم افترض عمقا موحدا للمحلول الملحي يبلغ مترا واحدا، بينما يتفاوت العمق فعليا، إذ يتجاوز مترا في بعض المناطق، ويقل عنه في مناطق أخرى.
والأهم من ذلك، يؤكد أن الكمية المحسوبة تمثل الليثيوم الموجود في المحلول وفق الافتراضات المستخدمة، لا الكمية التي يمكن استخراجها وبيعها بالضرورة.
فرص استخراج الليثيوم
وعن فرص استخراج الليثيوم، يوضح حسن أن ذلك يتطلب التغلب على تحد تقني رئيسي، وهو تركيز الليثيوم المنخفض مقارنة بكميات الأملاح الأخرى.
ويرى أن الخطوة الأولى المحتملة هي تبخير جزء من الماء لزيادة تركيز المحلول الملحي، وبعد ذلك، يقترح استخدام تقنية الامتزاز، التي تعتمد على مواد قادرة على التقاط الليثيوم من المحلول وفصله عن بقية المكونات.
ومن المواد المرشحة أكاسيد الليثيوم والتيتانيوم أو مواد هيدروكسيد الليثيوم والألومنيوم مزدوجة الطبقات.
غير أن هذه المقترحات لا تمثل حتى الآن إثباتا لنجاح عملية الاستخلاص على نطاق صناعي في شط الجريد، إذ يقول حسن إنهم يعدون دراسة متابعة مخصصة لتقييم جدوى الاستخراج.
ويشير إلى أن الجدوى الاقتصادية قد لا تتوقف عند كمية الليثيوم المستخلصة أو سعر بيعه، بل تشمل أيضا تكلفة معالجة المحلول الملحي والتعامل مع كميات الأملاح المصاحبة.
ويقول إن “تسويق بعض المنتجات الثانوية، مثل أملاح المغنيسيوم والبوتاسيوم، قد يساعد على جعل المشروع أكثر ربحية، ومن أمثلتها معدن النيسكوهونيت (كربونات مغنيسيوم مائية) ومعدن السيلفيت (كلوريد البوتاسيوم)، وهي مواد يمكن أن تتكون نتيجة الترسيب الطبيعي أو من خلال عمليات ترسيب كيميائي متحكم فيها”.
هل يستحق المشروع التضحية بالمياه؟
وحال أثبتت الدراسات اللاحقة ربحية هذا المشروع، سيظل هناك سؤال يحتاج إلى إجابة، وهو هل يستحق المشروع التضحية بالمياه؟
ويقول حسن إن “زيادة تركيز الليثيوم عن طريق التبخير قد تتطلب التعامل مع كميات كبيرة من المحلول الملحي، ومع مواجهة تونس شحا مائيا، فإن التبخير على نطاق واسع قد يؤثر سلبا في مخزونات المياه الجوفية المحلية الحيوية “.
ويضيف أن “هذا لا يعني أن المشروع سيؤدي حتما إلى استنزاف المياه الجوفية، لكنه يعني أن تقدير أثره المائي يجب أن يكون جزءا أساسيا من أي دراسة جدوى، إلى جانب استهلاك الطاقة، وإدارة الأملاح المتبقية، والتأثيرات المحتملة في النظم البيئية”.
