
عُذبوا واعتُقلوا.. لماذا يصر نشطاء أسطول الحرية بلندن على العودة إلى غزة؟
حفظ
تصعيد لا يهدأ
اجتمع هؤلاء على رصيف بريستول؛ بعضهم يستعد للإبحار، وبعضهم جاء ليودع. لكنهم يلتقون عند نقطة واحدة: دعم القضية الفلسطينية له كلفة، وأحيانا تكون باهظة.
ومن هنا، لا يبدو السؤال الأهم “لماذا يذهبون؟”، بقدر ما هو: ماذا كلفهم الذهاب في المرة الأولى، وكيف يقررون العودة رغم كل شيء؟
يروي للجزيرة نت المهندس الأمريكي إدواردو جيليو، المشارك في مهام سابقة لأسطول الحرية، تفاصيل اعتراضه على متن سفينة “الضمير” في خريف 2025.
يقول إنه اقتيد إلى ميناء أسدود، حيث تعرض لما وصفه بـ”خمس دقائق من التعذيب”، مضيفا أنها “بدت وكأنها مدى الحياة”، قبل نقله إلى سجن النقب (كتسيعوت) في صحراء النقب، ثم الإفراج عنه وترحيله.
ويتحدث جيليو كذلك عن اعتداءات قال إن زملاء له تعرضوا لها داخل الاحتجاز، موضحا أن إحدى الناشطات “تعرضت للاغتصاب من قبل حارس سجن إسرائيلي”، وأن “ناشطين آخرين تعرضوا لاعتداءات جنسية”. ويؤكد أنه سيكرر التجربة، معتبرا أن “لا ثمن لإنقاذ حياة”، وأن ما عاشه يستحق إذا كان ثمنا لإنقاذ حياة شخص واحد.
إعلان
من جانبه، يصف فياك أوبرولشاين، البحار الأيرلندي وقائد السفينة، احتجازه السابق من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وكيف انتزعت منه سماعات الأذن أثناء التحقيق، فيما كان يُستجوب دون أن يتمكن من سماع الأسئلة.
ويقول إنه ظل يردد: “لا أستطيع سماعكم، لقد أخذتم معينات السمع الخاصة بي”، مضيفا أن نحو ثلث رفاقه في تلك الرحلة نُقلوا مباشرة إلى المستشفى فور وصولهم إلى الشاطئ.
الكلفة الخفية.. ما بعد الإفراج
إذا كانت لحظة الاعتراض لا تستغرق سوى ساعات أو أيام، فإن الكلفة تمتد، بالنسبة إلى كثير من المشاركين، إلى ما بعد الترحيل، وتشمل الجسد والعمل والمال.
الدكتور فرانك رومانو، عضو تحالف أسطول الحرية ومحام دولي مَثل قضايا فلسطينية أمام محكمة العدل الدولية، يقول للجزيرة نت إن ناشطين بريطانيين فقدوا وظائفهم بسبب دفاعهم عن حقوق الفلسطينيين، بينما خسر آخرون أعمالهم بعدما تجاوزت مشاركتهم في مهمات الأسطول إجازاتهم المتاحة.
أما الكلفة المادية للأسطول، فيقدرها رومانو بالملايين، مشيرا إلى ميزانية بلغت نحو 24 مليون دولار لـ”أسطول الصمود العالمي“، المكون من نحو 75 قاربا في موجات مختلفة.
ويقول بيرن إنهم تعرضوا للركل والضرب والإبقاء في أوضاع جسدية مؤلمة ومهينة، وإنه أُصيب بتمزق في أوتار كتفه بعدما أُلقي عليه وزن كامل أثناء عملية النقل، ما تسبب، بحسب روايته، في عجز دائم في مدى حركة إحدى ذراعيه.
وفي أسدود، يقول إنهم أُجبروا على البقاء 4 ساعات على ركبهم وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، قبل نقلهم إلى سجن النقب (كتسيعوت)، حيث تعرضوا لضغوط نفسية وجسدية إضافية، بينها إجبارهم على السير ورؤوسهم إلى الأسفل، ومنعهم من النظر حولهم تحت التهديد بالصفع.
ويؤكد بيرن أنه رغم شعوره بأن تجربته كانت قاسية ومهينة، فإنها لا تقارن بما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال.
لماذا يعودون رغم ثقل الكلفة؟
هنا يكمن جوهر القصة، بالنسبة إلى المهندس الأمريكي إدواردو جيليو، تُختصر المسألة في سؤال بسيط: ما كلفة إنقاذ حياة إنسان؟ ويقول إن الحياة “لا تُقدر بثمن”، وإنه لا يرى شيئا لا يمكن فعله لإنقاذ شخص آخر.
أما سوي أنغ، فترى الأمر من زاوية الاستمرارية؛ إذ تريد تشجيع جيل أصغر على مواصلة الرحلة التي بدأتها قبل عقود، حتى لو كان القارب قد لا يصل إلى غزة، وتقول إن القارب “قد لا يبلغ غزة، لكن حبنا وتضامننا كسرا الحصار فعلا”.
وأرسلت آيريس هايني، رئيسة فرع تحالف أسطول الحرية في بريطانيا، إلى الجزيرة نت رسالة مفادها أن هذا الفعل “ليس موجها فقط ضد إسرائيل، بل ضد الحكومات المتواطئة التي تفشل جماعيا في الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية“.
وأكدت أن الرسالة إلى أهل غزة واضحة: “أنتم لستم وحدكم، ولن نتخلى عنكم أبدا”.
وبينما تأتي الرحلة في ظل استمرار الحرب في غزة، والتوتر الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، والعملية البرية الإسرائيلية في لبنان، يبدو أن نشطاء الأسطول قرروا أن الصمت ليس خيارا.
فبين محاكمة، ووظيفة مفقودة، وصدمة انتهاكات لا تُمحى، يقف هؤلاء اليوم على رصيف بريستول، مدركين أن التضامن له ثمن.
لكنْ بالنسبة إليهم، تبقى كلفة التضامن، مهما بلغت قسوتها، أقل من كلفة التخلي، مجمعين على القول: “لن نرهب.. مستمرون”.
