فاشيون وشيوعيون معًا.. 80 عامًا من الإخوان في الوثائق الأمريكية

  • Home
  • Arabic
  • فاشيون وشيوعيون معًا.. 80 عامًا من الإخوان في الوثائق الأمريكية
فاشيون وشيوعيون معًا.. 80 عامًا من الإخوان في الوثائق الأمريكية

في 27 أغسطس/آب 1947، جلس الشيخ حسن البنا إلى المستشرق الأمريكي فيليب أيرلاند، سكرتير السفارة الأمريكية في القاهرة ومسؤول قسمها السياسي يومها، في أول لقاء بين دبلوماسي أمريكي ومرشد الإخوان المسلمين. ووصف أيرلاند البنا، في محضر اللقاء الذي ينقل منه المؤرخ البريطاني مارتن فرامبتون في كتابه “الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والانخراط” (2018)، بأنه رجل “دون متوسط القامة، شاحب الوجه، خفيف أثر الجدري، تعلوه لحية جعداء متفرقة”، كما أنه “سريع الكلام بارع في الجدل”.

كتب أيرلاند عن شعوره في ذلك اللقاء قائلا: “لم أقتنع قط بأن الشيخ يتكلم بصدق ودقة”.

أخبار مقترحة

وحين سأله عن مقال في جريدة الجماعة كُتب “بلغة الدم”، وكيف يستقيم مع وعده بأن الاضطرابات لن تتجدد، اكتفى البنا، كما يروي المحضر، بأن “ابتسم -في لحيته- وغيّر الموضوع”. يروي أيرلاند أن البنا وصف شباب الوفد بأنهم “فتية طائشون يقبضون من السوفييت”، مشيرا إلى أن الإسلام هو “الحاجز الأكبر” أمام الشيوعية، ثم اقترح أن “تصبح أمريكا والإخوان حليفين في محاربة الشيوعية”، في مقابل موقف أمريكي إيجابي من فلسطين. وحذر البنا أيرلاند من أن أي مساس بالقضية العربية في فلسطين سيقود إلى “عواقب وخيمة”.

وبعد عام تقريبا، وقبل اغتياله بستة أشهر، التقى البنا دانا آدامز شميت، مراسل نيويورك تايمز في القاهرة. استقبل المرشد شميت في المركز العام للجماعة في 1 أغسطس/آب 1948، ونشرت الصحيفة الحوار في اليوم التالي تحت عنوان “شيخ يتعهد بطرد اليهود“.

قدم شميت البنا بوصفه رئيس “كبرى المنظمات القومية العربية المتطرفة”، ونقل عن البنا أن الشعوب العربية “ستلقي اليهود الذين يعيشون بينها في البحر” إن صارت الدولة اليهودية أمرا واقعا. وقال البنا في المقابلة نفسها إنها عبارة مجازية، وأضاف ساخرا أن الولايات المتحدة إن أرادت أن ترسل سفنا لتحمل اليهود “فلا بأس”.

وجاء أهم ما في اللقاء في نهايته، إذ تخلى البنا عن الصفقة التي عرضها على أيرلاند قبل عام بالتحالف مع الولايات المتحدة ضد الشيوعية. قال البنا لنيويورك تايمز: “الشيوعية نظام للتنظيم الاجتماعي، والإسلام كذلك، ولا نريد للمسلمين أن يتركوا دينهم إلى الشيوعية، لكننا نحتاج حليفا لا يتدخل في نظامنا، وإن وجدنا هذا الحليف في روسيا رحبنا به. هكذا كان موقفنا على الأقل قبل أن تنشأ قضية فلسطين. ومنذ قضية فلسطين تعلمنا أن نعتمد على أنفسنا، تعلمنا الدرس”.

وفي معرض غضبه من السياسة الأمريكية، أخذ عليها أنها تسند اليونان وتركيا في وجه السوفييت ثم تسمح بقيام “رأس جسر للشيوعية الروسية” في فلسطين، قاصدا الصهيونية الاشتراكية، وقال إن الولايات المتحدة “لا تعرف إلا القليل عن هذا الجزء من العالم، وبريطانيا خدعت العرب والولايات المتحدة كليهما”. كان موقف البنا قد تغير بعد حرب فلسطين ووقوع النكبة والتطهير العرقي.

مساء 12 فبراير/شباط 1949، اغتيل حسن البنا أمام جمعية الشبان المسلمين في القاهرة. لم يحظ اللقاء باهتمام واسع، لكن مواقع يهودية تداولته مبتورا، إذ أعادت نشره المكتبة اليهودية الافتراضية، وتقول إنه يعبر عن إعجاب البنا بهتلر مستدلة على ذلك بمسألة إلقاء اليهود في البحر، بينما تسقط بقية التصريحات.

وبعد 78 عاما، في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قال دونالد ترمب، وهو يغادر قاعدة أندروز الجوية في طريقه إلى تجمع انتخابي في ميشيغان، عن عبد الرحمن (عبدول) السيد، المرشح الديمقراطي لمقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ: “لا نريد أن نرى عضوا في الإخوان المسلمين في مجلس شيوخنا“. وكان ترمب قد زعم قبل ذلك بستة أيام، في تجمع بولاية كانساس، أن المرشح وأخته وأمه من الإخوان المسلمين.

بين صيف عام 1948 وخريف عام 2026، عادت ثلاثية الإخوان وفلسطين والحليف الأحمر، لكنها تحولت هذه المرة من قضية تتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة إلى تهمة يستخدمها اليمين الأمريكي في صراعه الداخلي ضد مرشح أمريكي في انتخابات أمريكية. فكيف تطور حضور الإخوان المسلمين في الخطاب الأمريكي حتى صارت الجماعة موضوع نقاش داخلي في الولايات المتحدة؟

الإخوان على شاشة المفوضية الأمريكية

ما يقرب من ثلاثمئة رسالة متشابهة الصيغة وصلت إلى المفوضية الأمريكية في القاهرة في يوم واحد من ربيع عام 1944 تحتج على السياسة البريطانية في فلسطين والفرنسية في الجزائر، ومعها برقية شخصية من حسن البنا يحتج فيها على “موقف أمريكا من فلسطين”.

تجاهلت المفوضية (البعثة التي مثلت واشنطن في القاهرة قبل أن تُرفع إلى سفارة عام 1946) الرسائل، وكتبت أول تقرير مخصص عن الإخوان المسلمين نعتت فيه الجماعة بـ”الجمعية الإسلامية المتعصبة”. وقال التقرير إن البنا من خريجي الأزهر، وأرّخ لنشأة الجماعة بعام 1938. لكن حسن البنا كان قد تخرج في دار العلوم، وأسس الجماعة سنة 1928، ما يدل على ضعف معرفة الأمريكيين في ذلك الوقت بالإخوان المسلمين.

وكان موظفو المفوضية قد كتبوا قبل ذلك في مراسلاتهم أن الجماعة تميل إلى “بيع ولائها في المزاد لمن يدفع أكثر”، يقصدون بذلك تأرجح موقف الجماعة في الصراع بين الملك والوفد.

استعار الأمريكيون حين التفتوا إلى الجماعة معجم الحليف البريطاني، فاستخدموا صفة “المتعصبة”، ورأوا فيها حركة إسلامية جامعة معادية للأجانب. وكتبت واشنطن بوست في تلك الفترة عن الإخوان إنهم “متعصبون دينيون محافظون إلى أقصى حد، بل رجعيون”. ومع ذلك ظل الإخوان عند صانع القرار الأمريكي غير مهمين، لأن مصر كانت يومها شأنا بريطانيا.

وفي العام التالي عادت رسائل الجماعة إلى المفوضية تحتج على السياسة البريطانية في فلسطين، في وقت بدأ فيه الأمريكيون يتطلعون إلى قيادة العالم الغربي بدلا من بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت فحوى رسالتها إلى الأمريكيين “لماذا يقف الأمريكيون مع اليهود؟! العرب سيكونون للأمريكيين أصدقاء أفضل من اليهود”.

عقلية الحرب العالمية الثانية تحكم

في مطلع عام 1948، زار القاهرة رجل عُرف بصائد الفاشيين، وهو الصحفي الأمريكي من أصل أرمني جون روي كارلسون، صاحب كتاب “تحت الغطاء“، الذي روى فيه كيف عاش أربع سنوات متخفيا في الحزب الاشتراكي القومي الأمريكي والرابطة الألمانية الأمريكية الداعمة للنازية، ونشره قبل رحلته إلى مصر بخمس سنوات.

يشرح كارلسون مصطلحاته في مقدمة الكتاب، فقد وضع سلّما للتصنيف يتدرج من “الفاشي” و”ذي العقلية الفاشية” و”القومي” إلى “الفاشي الأمريكي” و”النازي الأمريكي”، ليصف به من ساندوا عقائد هتلر وموسوليني وفرانكو. ويروي في المقدمة فراره طفلا مع أسرته حين شن القوميون الأتراك ما سماه “حربا مقدسة إسلامية” على الأرمن، وهو ما ترك على الأرجح أثرا عاطفيا عميقا في نظرته إلى الإخوان المسلمين.

وصل كارلسون إلى المركز العام للإخوان برفقة مترجم شاب من الجماعة، فرأى في قاعة الاستقبال كما يقول “متعصبين من كل صنف، قوميين متطرفين، ومتدينين متطرفين، ومسلمين متعصبين إلى أقصى حد”. ثم جلس إلى المرشد تحت شعار المصحف والسيفين، فوصفه في حقد واضح بأنه “قصير ممتلئ بوجه فأري”، وقال إنه “أكثر رجل مقيت” قابله في القاهرة.

سأله كارلسون عن الخلافة ودمج الدين بالدولة، وهي في سؤاله “المعادل الإسلامي للشمولية الدينية، كما في إسبانيا فرانكو”. فرد البنا، بالصيغة التي نقلها كارلسون: “نهدف إلى تحطيم التحديث في الحكم والمجتمع، وفي فلسطين واجبنا الأول كمسلمين أن نسحق الصهيونية، وهي التحديث اليهودي”. وضمّن كارلسون ما رآه مذكرة أرسلها إلى الخارجية الأمريكية في مارس/آذار، ثم نشره بعد ثلاث سنوات في كتابه “من القاهرة إلى دمشق“.

وفي مقر جماعة مصر الفتاة القريب من المركز العام، سمع كارلسون رجال زعيمها أحمد حسين يسمون البنا “راسبوتين مصر”، ويتهمونه بقبض المال من البريطانيين والشيوعيين. ثم سمع من الشيوعي فتحي الرملي أن حسين والبنا “فاشيون صرحاء”. فالتهمة الحمراء والتهمة الفاشية كانتا تُتداولان في القاهرة على ألسنة خصوم الإخوان قبل أن تستقرا في الوثائق الأمريكية.

من هذا الإطار جاءت عبارة شميت عن “كبرى المنظمات القومية العربية المتطرفة”، فالقومية المتطرفة كانت في لغة ما بعد الحرب الاسم الذي يعرف به الفاشي، وكارلسون وضع “القومي” في قائمة واحدة مع الفاشي والنازي، إذ خرج العقل الأمريكي لتوه من الحرب على هتلر ودخل بدوره في حرب باردة على ستالين والاتحاد السوفيتي، ولا يعرف إلا قسمة ثنائية للعالم بين ليبرالي وشيوعي، وما عداهما نزعة إحيائية للفاشية أو النازية.

جمال عبد الناصر (يمين، الصف الثاني) وإلى جانبه مساعده عبد الحكيم عامر، وهما يصليان في القاهرة مع قادة من جماعة الإخوان المسلمين (الفرنسية)

وكانت السفارة قد حذرت في مارس/آذار 1952، قبل الانقلاب بأربعة أشهر، من أن يعقد الوفد “تحالفا غير مقدس” مع الإخوان و/أو الشيوعيين يقود إلى “ثورة وفوضى شاملة”، فرحبت واشنطن بانقلاب الضباط الأحرار وبقانون الإصلاح الزراعي، خوفا من انتقال مصر إلى المعسكر السوفيتي. لكنها رأت في جماعة الإخوان المسلمين تهديدا، وقلقت بشأن قدرة الضباط على الإمساك بالبلد ومنع انزلاقه نحو شيوعية أو إسلامية تعادي توسعها الاقتصادي والسياسي وسعيها إلى وراثة بريطانيا في المنطقة.

وفي المرحلة التي تلت ثورة يوليو، كانت الجماعة تطرق الباب الأمريكي بإلحاح. فقد سافر محمود مخلوف المتحدث باسم المرشد المستشار حسن الهضيبي إلى الولايات المتحدة في مطلع صيف عام 1953 حاملا رسالة تعريف من السفارة، ليعرّف الأمريكيين “بالطبيعة الحقيقية” للحركة. وما إن وصل مخلوف حتى تعرض لموقف عنصري إذ شُتِم ونُعِت بـ”الزنجي”، ما دفعه إلى التفكير في قطع رحلته، إلا أن مسؤولي الجماعة أقنعوه بالبقاء. وقد شدد مخلوف في لقاءاته بموظفي الخارجية في واشنطن على “جدوى زيادة اتصالات الولايات المتحدة بالإخوان”، وقال إن الإخوان “ليسوا جماعة متعصبة”، وإنهم أشد خصوم الشيوعية، و”مستعدون للمساعدة في التوصل إلى تسوية مع إسرائيل”.

ومع خليفة البنا، المستشار حسن الهضيبي، استمرت اللقاءات بالدبلوماسيين الأمريكيين، إذ جلس الهضيبي مع هوارد إلتنغ، المسؤول السياسي في السفارة، بحضور مخلوف، وذلك في الإسكندرية في يوليو/تموز 1953. وخرج إلتنغ من اللقاء مقتنعا بأن المرشد “متعصب للإسلام تعصبا معتدلا فقط”، وكان ذلك تحسنا في نظرة واشنطن إلى الجماعة.

وفي 23 سبتمبر/أيلول 1953، سُجل في دفتر مواعيد الرئيس الأمريكي أيزنهاور اسم “سعيد رمضان، مندوب الإخوان المسلمين في مصر” ضمن وفد الندوة الإسلامية التي رعتها الحكومة الأمريكية في جامعة برنستون. وكانت وكالة الإعلام الأمريكية ترجو من الندوة أن “ينبهر المسلمون بالقوة الأخلاقية والروحية لأمريكا” فينفضوا من حول الاتحاد السوفيتي.

قرأ الصحفي والباحث الأمريكي إيان جونسون في كتابه “مسجد في ميونيخ” الصورة التي جمعت أيزنهاور بأعضاء الوفد، ورمضان بينهم، باعتبارها بداية للتحالف بين الولايات المتحدة والإخوان المسلمين، إلا أن الوثائق المتاحة في الأرشيف الأمريكي تقول ما هو أدنى من ذلك بكثير، فرمضان لم يكن على قائمة المدعوين وطلب الحضور بنفسه، ولم تستجب الخارجية لطلبه إلا لأن السفارة الأمريكية في القاهرة ضغطت لقبوله خشية “إغضاب هذه الهيئة المهمة”. وقبلته الخارجية من دون أن تتكفل بتكاليف سفره وإقامته، وعدّته زائرا عاديا لا مراقبا كبقية الوفد.

سعيد رمضان (في الوسط)، السكرتير الشخصي لحسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وزوج ابنته، وأحد أوائل قيادات الجماعة (أكاديمية العلوم البافارية)

أما على الضفة الأخرى من المحيط فبقيت واشنطن تمانع التعاون مع الإخوان، إذ لم تكن عقلية الحرب العالمية الثانية قد انقشعت بعد، وظلت النظرة الاستشراقية حاضرة. ووصف مانفريد هالبرن الإخوان وأمثالهم، في دراسته لمؤسسة راند عام 1963، بأنهم “معادون للحداثة” و”متطرفون” و”فاشيون” و”شموليون إسلاميون جدد”.

مع ذلك، بدأت أجواء الحرب الباردة تفرض نفسها، ومن أوضح النماذج الموثقة لتوظيف القوى الإسلامية أداةً في مواجهة اليسار ما جرى في إندونيسيا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 30 سبتمبر/أيلول 1965، التي اتُّهم بها الحزب الشيوعي الإندونيسي.

تحرك الجيش بقيادة الجنرال سوهارتو للقضاء على الشيوعيين، وسلم الضابط السياسي بالسفارة الأمريكية روبرت مارتينز قوائم بما يصل إلى خمسة آلاف اسم من قيادات الحزب وكوادره إلى وسيط إندونيسي أوصلها إلى مقر سوهارتو، وقالت الصحفية الأمريكية كاثي كادين، التي كشفت القصة عام 1990، إن السفير مارشال جرين ونائبه جاك ليدمان وافقا على ذلك، وهو ما نفاه مارتينز فيما يخص السفير.

وقاد الكولونيل سارو إيدي ويبوو فوج القوات الخاصة المظلية في جولة إلى جاوة الوسطى وبالي، درّب خلالها شباب المنظمات الإسلامية وسلّحهم، وعلى رأسها جناح “أنصار” التابع لجمعية نهضة العلماء، ثم دفع بهم رأس حربة لتصفية قواعد الحزب الشيوعي قرية قرية، خصوصا في جاوة الشرقية حيث نُفذت مجازر واسعة بحق الشيوعيين.

لكن استنساخ هذا النموذج في العالم العربي كان صعبا بسبب وجود إسرائيل التي قد تتحول إلى هدف لأي جماعات إسلامية مسلحة.

وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول 1966، أرسلت الخارجية إلى سفاراتها في العالم العربي برقية دورية عن حملة الملك فيصل للتضامن الإسلامي، تقول فيها إن “في الإسلام شيئا يقال لصالحه باعتباره حاجزا أمام الشيوعية، ولكن ثمة حجج وجيهة على خلاف ذلك”.

وأضافت البرقية أن من مصلحة واشنطن أن “تنأى بنفسها تماما” عن جهود حشد المنطقة تحت راية الإسلام، لأن عواقبها البعيدة على غير المسلمين في المنطقة “كالإسرائيليين واللبنانيين والأقليات المسيحية، غير سارة”. وتُذكّر البرقية بأن الإخوان في ذروة قوتهم قبل الثورة كانوا “معادين للغرب معاداة لا تلين”.

كانت السياسة الأمريكية إذن قلقة من القومية العربية الثورية، وأرادت محاربتها بالإسلام، لكنها خشيت دعم التوجه الإسلامي وتنظيماته وعلى رأسها الإخوان المسلمين لأنها رأت فيه خطرا يفوق القومية العربية ذاتها.

عمر التلمساني، المرشد الثالث للإخوان. طلب منه الملحق السياسي في السفارة الأمريكية بالقاهرة التوسط لدى قادة الثورة الإسلامية في إيران لإطلاق سراح الدبلوماسيين المحتجزين عام 1979 (مواقع التواصل الاجتماعي)

ثم أبلغ التلمساني المستشار السياسي للسفارة بعد عقد اتفاقية كامب ديفيد، في أكتوبر/تشرين الأول 1978، أن الإخوان يرون الاتفاقات “غير مقبولة أخلاقيا” لكنهم “لن يثيروا المتاعب للسادات“، فكتبت السفارة أن موقفه “ذو دلالة ومبشر”.

وقبل توقيع المعاهدة بأيام في مارس/آذار 1979 قال التلمساني للمستشار السياسي للسفارة إن جهود كارتر للسلام “تستحق امتنان الأمة المصرية”، وإن للجماعة صلة إسلامية بحركة الخميني، لكن “ما حدث في إيران لا يمكن أن يحدث هنا“. كان ذلك قبل أن تتدهور العلاقة بين إيران والإخوان المسلمين.

وقبل اقتحام السفارة الأمريكية في طهران بخمسة أيام، في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1979، جلس توفيق عويضة، وقد أصبح رئيس لجنة الشؤون الدينية في الحزب الوطني، إلى موظف من السفارة الأمريكية يقول له إن بين تنظيم الجهاد والإخوان “صلة واضحة”، وإن الاثنين “يتمتعان بدعم مالي سوفييتي“. وأضاف أن “جانبا كبيرا من تمويل أنشطة الإخوان يأتي من مصادر شيوعية خارجية”. وكان السادات قد اتهم الإخوان في أغسطس/آب من ذلك العام بنسج “جبهة وطنية عريضة” مع اليسار، ورد عليه التلمساني بأن الإسلام والشيوعية “لا يجتمعان أبدا”.

وكانت معاهدة السلام التي ذهب إليها السادات منفردا سببا واضحا في نهاية حلفه التكتيكي مع الإسلاميين، إذ استدعى الحجج نفسها التي أطلقتها التايمز اللندنية قبل ثلاثة عقود، فنقل الإخوان المسلمين من خانة الفاشية إلى خانة الشيوعية.

ونشر التلمساني في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، في خضم أزمة الرهائن في طهران، مقالا بعنوان “أمريكا من وجهة نظر إسلامية“، ترجمته السفارة كاملا وأرسلته إلى واشنطن. تبرأ فيه من أي تحالف مع الشيوعيين، وكتب: “أما الأمريكيون فما زلنا نعدهم أهل كتاب، وإن كانت إساءة إداراتهم إلى الإسلام بالغة الخطورة”. وكتبت السفارة في تقديمها أن اللافت في تحليله “النبرة الهادئة نسبيا” في نقد السياسات الأمريكية، وأن نقده لا يصدر عن “معارضة عمياء لأمتنا وقيمها”، وأن “محور اتهامه” عجز الولايات المتحدة عن ردع إسرائيل حين تتحدى تصريحاتها، ووصفته السفارة بأنه “أصولي إسلامي معتدل إلى حد ما”.

اختناق قنوات الاتصال بالأمريكيين

كان باب التلمساني الذي يطرقه الأمريكيون بابا إلى السجن في اعتقالات سبتمبر/أيلول 1981. فقد كتب التلمساني في مذكراته أن جوزيف لورنس، المستشار الصحفي في السفارة، زاره مرارا في مكتب المجلة بين أزمة الرهائن واغتيال السادات، وأن التلمساني كان يحرص في كل مرة على إبلاغ وزارة الداخلية، لأنه، على حد قوله، “لم ينس مستر إيفانز“. وإيفانز هو المستشار الشرقي في السفارة البريطانية الذي اتصلت به الجماعة عام 1953 بعلم عبد الناصر، ثم نشر النظام خبر الاتصال في العام التالي دليلا على خيانة الجماعة، فأصبح الاتصال بالدبلوماسيين الأجانب تهمة استغلها خصوم الإخوان ضدهم.

ورأت المخابرات المركزية عام 1982 أن الإخوان “طائفة أزمة” تنتقل “من التشدد المبكر إلى الاعتدال اللاحق”، ووصفتهم بعد عامين بأنهم “معتدلون نسبيا”، ثم جعلتهم بعد عامين آخرين “ثقلا موازنا” للجماعات الأكثر ثورية. وجاء ذلك أثرا جانبيا للتحولات التي جرت في أفغانستان وإيران من صعود الجهادية الأممية السنية والشيعية.

وأجرت السفارة “محادثات دورية” مع التلمساني في العامين اللذين سبقا وفاته عام 1986، ثم أرادت بعد رحيله أن تلتقي خَلَفه دون أن تطلب إذن الحكومة، فأصر الإخوان على موافقة مكتوبة من الداخلية. ورأت السفارة أن الإخوان “حريصون على الحوار” لأنه “يضيف إلى شرعيتهم”، وأنهم “قلقون جدا” من المتاعب مع وزارة الداخلية. ثم لخصت برقية كتبها السفير الأمريكي فرانك ويزنر في يوليو/تموز 1989 حالهم في نهاية الثمانينيات في عبارة واحدة هي أن الجماعة “نُزعت أنيابها وأُعيد تأهيلها”.

وقال إدوارد جيريجيان، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، في 2 يونيو/حزيران 1992، إن الحكومة الأمريكية لا ترى في الإسلام عدوها التالي، وإنها لا ترصد “جهدا دوليا متجانسا أو منسقا” وراء الحركات الإسلامية.

ومع توسع المد الإسلامي بعد انقلاب عمر البشير في السودان، عاد شبح طهران إلى قصر الاتحادية منتصف التسعينيات. واتهم حسني مبارك واشنطن بالاتصال سرا “بالإرهابيين من الإخوان”. وقال مبارك للأمريكيين: “تظنون أنكم تصححون الأخطاء التي ارتكبتموها في إيران، حين لم يكن لكم اتصال بآية الله الخميني وجماعاته المتعصبة قبل أن يستولوا على السلطة، لكني أؤكد لكم أن هذه الجماعات لن تحكم هذا البلد أبدا، ولن تكون على وفاق مع الولايات المتحدة أبدا”.

وتوقفت الاتصالات بين الإخوان والأمريكيين بعدها “فجأة”، كما يكتب الباحث فواز جرجس في كتابه “أمريكا والإسلام السياسي“. وقالت كوندوليزا رايس في القاهرة في يونيو/حزيران 2005: “لم نتواصل مع الإخوان المسلمين، ولا نتواصل، ولن نتواصل“. لكن نواب الجماعة حضروا خطاب أوباما في جامعة القاهرة عام 2009 ضمن الإطار الرسمي الذي سمح به مبارك. وفي 31 يناير/كانون الثاني 2011، وميدان التحرير يضج بأصوات الثوار، قال المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس عن الإخوان “ليس لدينا اتصال بهم“.

وسقط مبارك في فبراير/شباط 2011، فانفتح الباب الذي أغلقه، إذ جلس السيناتور جون كيري في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه إلى محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة وقتذاك. وطمأن مرسي ضيفه بأن “مصر تحترم المواثيق والمعاهدات التي وقعتها”. وأعلنت بعدها فيكتوريا نولاند المتحدثة باسم الخارجية في 5 يناير/كانون الثاني 2012 أن الإخوان “قطعوا لنا التزامات” بشأن المعاهدة مع إسرائيل. لكن إبراهيم منير، عضو مكتب الإرشاد، نفى في مداخلة على قناة العالم الإيرانية أن تكون الجماعة طمأنت واشنطن، وقال إن مصير المعاهدة يقرره المصريون في استفتاء.

وبعد أسبوعين من ذلك، في 18 يناير/كانون الثاني 2012، دخلت السفيرة آن باترسون المركز العام للجماعة، وجلست إلى المرشد محمد بديع والأمين العام محمود حسين. وقال بديع إن دعم واشنطن للدكتاتوريين أضر بسمعتها، ودعاها إلى موقف إيجابي من القضية الفلسطينية تستعيد به مكانتها عند العرب والمسلمين، وقال إن الشريعة “أكبر ضمانة للحرية” الدينية والشخصية لجميع المواطنين. وأقرت باترسون بأن بلادها أخطأت في الماضي، وقالت إن الديمقراطية تبني شراكة مستقرة بين البلدين، وأشارت على الإخوان بقبول قروض البنك الدولي، فرد المرشد بأن القرض شأن البرلمان المنتخب.

تبادل الطرفان ما احتاج كل منهما إلى سماعه، اعترافا أمريكيا بالرابح في صناديق الاقتراع مقابل لغة الطمأنة والود من الإخوان. والجديد هذه المرة أن الجماعة كانت تتهيأ لتسلم الحكم.

قضية مؤسسة الأرض المقدسة

انعقدت لجنة الأنشطة غير الأمريكية في مجلس النواب الأمريكي في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 1967 في الغرفة 311 بمبنى كانون في العاصمة الأمريكية، لتتحرى إن كانت موجة الشغب التي اجتاحت أحياء السود يومها قد “خُطّط لها أو حُرّض عليها أو دُعمت من الشيوعيين وغيرهم من المنظمات والأفراد المخربين”. وترأس التحقيق ويليام تاك، النائب عن ولاية فرجينيا وأحد المدافعين عن الفصل العنصري في الجنوب الأمريكي إبان حركة الحقوق المدنية.

وفي الغرفة ذاتها جلس النائب الجمهوري بيتر كينغ في 10 مارس/آذار 2011 ليرأس جلسة عن “تطرف المسلمين الأمريكيين”، قال فيها الطبيب زهدي جاسر، أحد الناشطين المسلمين المناهضين للإسلام السياسي في الولايات المتحدة، إن الثورات العربية جعلت “الخطر الذي يشكله الإخوان المسلمون على الأمن في العالم” في الصدارة، وإن أمريكا “سلمت الدستور للجهاديين”.

وعلّق الباحث ناثان لين، بعد أن روى الواقعة في كتابه “صناعة الإسلاموفوبيا“، قائلا: “بعد 44 عاما من جر الأمريكيين الأفارقة إلى دوامة المخاوف من الشيوعية، جرت مطاردة سياسية أخرى”. فالغرفة التي حققت في “التحريض الشيوعي” عادت تحقق في الإسلاميين بالمنطق نفسه.

وعلى إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وما تبعها من تحولات في القوانين والسلوك الأمريكي تجاه العالم الإسلامي تحت مظلة الحرب على الإرهاب، خرجت تهمة الإخوان لأول مرة من كونها ملفا خارجيا مرتبطا بفلسطين تحكمه السياسة الخارجية ومحدداتها الأمنية، لتصير تهديدا أمنيا وسياسيا داخليا.

وكانت قضية مؤسسة الأرض المقدسة في تكساس من أهم حلقات هذا التحول. ففي عام 1993، اجتمع نحو عشرين من قادة شبكة دعم حماس في الولايات المتحدة بعد توقيع اتفاق أوسلو في اجتماع مغلق بفندق ماريوت قرب مطار فيلادلفيا، واتفقوا على الحديث عن حركة حماس باسم “سماح”، أي الاسم مقلوبا، تفاديا للمراقبة الأمريكية.

زرع مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي كان يتابع المجتمعين أجهزة تنصت في الفندق، وسجل مداخلات المجتمعين، ومن بينهم مَن يقول إن “الحرب خدعة”، ومَن يدعو إلى مخاطبة الأمريكيين بلغة “الديمقراطية وحرية التعبير”. وقد أصبحت هذه التسجيلات بعد 14 عاما عماد محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة في تكساس بتهمة تمويل حماس.

احتارت الحكومة الأمريكية في التعامل القانوني مع الملف. وفي عام 2007، أدرج المدعون في وزارة العدل الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية باعتبارها “متآمرا غير متهم” في القضية. وفي العام نفسه شاركت وزارة العدل في رعاية المؤتمر السنوي للجمعية، وأقام قسم الحقوق المدنية فيها جناحا في أروقته. ولكن ما علاقة كل ذلك بالإخوان المسلمين؟

في ملف المحاكمة، ورد تقرير لمجلس شورى الإخوان المسلمين مؤرخ في 25 أكتوبر/تشرين الأول 1991، يقر فيه الإخوان بأن قيادتهم وتوجيههم للجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية “بدأت تقل تدريجيا لقلة وجودهم فيها”. أي أن الجماعة تكتب في أوراقها أن نفوذها في الجمعية التي أدرجها الادعاء “متآمرا غير متهم” يتراجع. لكن اليمين الأمريكي التقط المحاكمة فرصة ليجعل من الإخوان فزاعة.

وقُدمت إلى المحكمة مع التسجيلات مذكرة كتبها محمد أكرم العدلوني، وكان من قيادات الإخوان المسلمين في أمريكا الشمالية، ورفعها إلى مجلس شورى الجماعة عام 1991. يقول العدلوني في مذكرته التي حملت عنوان “المذكرة التفسيرية للأهداف الإستراتيجية العامة للجماعة في شمال أمريكا”، إن عمل الإخوان في أمريكا “نوع من الجهاد العظيم في إزالة الحضارة الغربية وتدميرها من الداخل”.

ويقول الباحث لورينزو فيدينو، والذي حصلت مشاريعه البحثية على تمويل من أنظمة عربية مناهضة للإخوان، وهو من أشد المتشككين في الجماعة، في دراسة نشرتها جامعة جورج واشنطن عام 2025، إن “لا دليل متاحا” على أن مجلس الشورى اعتمد هذه المذكرة، لكنها استُخدمت دليل إدانة في المحاكمة.

استعار المدعي الفيدرالي السابق أندرو مكارثي العبارة التي وردت في مذكرة محمد أكرم كعنوان لكتابه “الجهاد الأكبر: كيف يخرب الإسلام واليسار أمريكا” عام 2010، وجعل فيه مصر عام ثورة يوليو مثالا على “الزواج المتقلب بين الإسلاميين واليساريين”. انضم مكارثي في ذلك العام إلى فريق سمّى نفسه “الفريق ب الثاني” مع فرانك غافني، مدير مركز السياسة الأمنية، وديفيد يروشالمي والجنرال المتقاعد وليام بويكين. أصدر هذا الفريق تقريرا بعنوان “الشريعة، الخطر على أمريكا“، يدعو إلى أن يُمنع من “يعتنقون الشريعة أو يؤيدونها” من الوظائف الحكومية والجيش، كما يُمنع أعضاء جماعات الكراهية مثل “كو كلوكس كلان”.

الإخوان كفزاعة انتخابية أمريكية

ذهب اليمين الشعبوي بهذه المطالب والتصنيفات بعيدا. وفي مناظرة جمهورية في يونيو/حزيران 2011، ضمن سباق الترشح لانتخابات 2012، قال القيادي الجمهوري نيوت غينغريتش، الذي رأس مجلس النواب في النصف الثاني من التسعينيات، إن من لا يحمل الولاء لن يخدم في إدارته، وقال: “فعلنا هذا مع النازيين، وفعلناه مع الشيوعيين”، ملمّحا إلى حظر المسلمين والجمعيات والمؤسسات التي ينتظمون عبرها في الولايات المتحدة.

وكان أول من نقل الإخوان المسلمين إلى مضمار الانتخابات حاكم ولاية ماساتشوستس السابق الجمهوري ميت رومني، إذ وقف في مؤتمر هرتسليا في إسرائيل في 23 يناير/كانون الثاني 2007، يحذر من الجهاديين الذين “يروج لهم حزب الله وحماس والإخوان المسلمون”، وكرر القائمة في مناظرة في مكتبة ريغان بعد ثلاثة أشهر.

ولم تكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر السبب الوحيد للهجوم على الإخوان في الولايات المتحدة، فالمحفز الأساسي لحشد الساسة الجمهوريين في هذا الاتجاه كان المقاومة الإسلامية في فلسطين، بدفع وتمويل من اللوبي الإسرائيلي.

وتطور الأمر إلى تصفية الحسابات السياسية، فقد نشرت وول ستريت جورنال أن مازن الأصبحي، منسق حملة أوباما لشؤون المسلمين عام 2008، جلس في مجلس صندوق استثماري إلى جانب إمام وصفته وزارة العدل بأنه “متآمر غير متهم” في محاكمة الأرض المقدسة، فاستقال قائلا إنه تنحى “حتى لا يصرف الأنظار” عن رسالة أوباما التقدمية.

ولما جاء الربيع العربي، كانت إسرائيل أول من حذر واشنطن من الإسلاميين. ففي الأيام الأولى لثورة يناير، طلبت الخارجية الإسرائيلية من سفرائها التشديد على “أهمية استقرار مصر”، وحثت أمريكا وأوروبا على تخفيف انتقاد مبارك. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2011 وقف نتنياهو في الكنيست يصف ما يجري بأنه “موجة إسلامية معادية للغرب ولليبرالية ولإسرائيل وللديمقراطية”، ويسخر من “سذاجة” القادة الغربيين. وحين أطاح الجيش بحكومة الرئيس محمد مرسي عام 2013، قال مسؤول إسرائيلي لنيويورك تايمز إن الخيار “إما الجيش أو الفوضى”.

وطلبت ميشيل باكمان وأربعة نواب جمهوريين في يونيو/حزيران 2012 التحقيق في نفوذ الإخوان داخل الحكومة، واتهموا هوما عابدين، مساعدة هيلاري كلينتون، استنادا إلى تقرير لمركز السياسة الأمنية الذي يرأسه غافني. ولكن جون ماكين وقف في مجلس الشيوخ يصف الاتهام بأنه “هجوم لا مسوغ له ولا أساس” على “مواطنة شريفة”.

وبعد ثلاثة أشهر، قال رومني في مناظرته الأخيرة مع أوباما قبل انتخابات 2012: “لدينا في مصر رئيس من الإخوان المسلمين“، دليلا على سوء إدارة أوباما للسياسة الخارجية.

وقدم تيد كروز في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 مشروع قانون لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين إرهابية، ولم يجد في حيثياته سندا أمريكيا، ما اضطره إلى الاعتماد على تصنيف الدول الأخرى للإخوان جماعة إرهابية. والمفارقة أن عددا كبيرا من هذه الدول كانت من بين خصوم الولايات المتحدة، مثل سوريا التي جعلت الانتساب إلى الجماعة جريمة عقوبتها الإعدام عام 1980، وروسيا التي حظرت محكمتها العليا الجماعة عام 2003.

وكان أشد الداعمين لمشروع قانون تيد كروز عام 2015 بحسب المركز العربي في واشنطن، السفارة المصرية ومنظمات غافني وإيمرسون. وحين وقّع ترمب الأمر التنفيذي 14362 في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كتب محللو موقع ريسبونسبل ستيتكرافت أن إسرائيل “لم تبذل جهدا ظاهرا” للدفع به، لكنها استقبلته “بأذرع مفتوحة”. فقد سبق نتنياهو التوقيع بيوم، فشكر ترمب على “قراره حظر منظمة الإخوان المسلمين”، وقال إن إسرائيل حظرت “جزءا من المنظمة” وتعمل على استكمال ذلك.

وكانت إسرائيل قد حظرت الحركة الإسلامية (الجناح الشمالي) عام 2015 بوصفها جزءا من “حركة الإخوان المسلمين العالمية”. وفي الأسبوع الذي سبق الأمر التنفيذي، كان باحثو “معهد دراسة معاداة السامية العالمية والسياسات” (إيسغاب) يطلعون المشرعين في واشنطن على “أهداف الإخوان الأيديولوجية”. وهو معهد قدمت الحكومة الإسرائيلية نحو 80% من إيراداته عام 2018، بحسب صحيفة فوروارد.

بدأ الكونغرس إذن يرى الإخوان بعين حكومات البلدان التي ينشطون فيها. واستشهد بن كارسون، أحد الساعين إلى ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات 2016، في مناظرة لاس فيغاس في ديسمبر/كانون الأول 2015 بالمذكرة التفسيرية المنسوبة إلى محمد أكرم، وقال كروز إن مبارك كان “حليفا موثوقا للولايات المتحدة ولإسرائيل“، وجاء مكانه “مرسي والإخوان المسلمون، وهي منظمة إرهابية”. وأخذ ترمب على منافسته هيلاري كلينتون، في يونيو/حزيران 2016، أنها ساعدت على إسقاط “نظام صديق” في مصر واستبداله بالإخوان المسلمين “المتطرفين”.

وبلغ استخدام فزاعة الإخوان في الاستقطاب السياسي والانقسام حول الهوية الأمريكية في الداخل ذروته في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عندما صنف حاكم تكساس غريغ أبوت الإخوان ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) منظمتين إرهابيتين أجنبيتين، ومنعهما من تملك الأراضي في الولاية.

ووقع ترمب بعد ستة أيام الأمر التنفيذي 14362، الذي كلّف الخارجية والخزانة بدراسة تصنيف فروع الإخوان في لبنان والأردن ومصر منظمات إرهابية، ومما ساقه في تعليله أن الجناح العسكري للفرع اللبناني أطلق الصواريخ على إسرائيل بعد السابع من أكتوبر. وفي 13 يناير/كانون الثاني 2026 صنفت الخارجية الجماعة الإسلامية في لبنان منظمة إرهابية أجنبية، وصنفت الخزانة الفرعين المصري والأردني “إرهابيين عالميين” لتقديمهما “دعما ماديا لحماس”، وقال وزير الخارجية ماركو روبيو إن هذه التصنيفات “الخطوات الأولى في جهد متواصل” لحرمان فروع الجماعة من مواردها، ثم لحق بها فرع السودان في مارس/آذار.

ولحقت ولايات أخرى بتكساس، فصنفت فلوريدا في 29 سبتمبر/أيلول 2026 الإخوان وكير “منظمتين إرهابيتين محليتين”، وأرجأ قاض فيدرالي سريان القرار حتى 5 نوفمبر/تشرين الثاني للنظر في طعن كير، وأمر حاكم أوكلاهوما كيفن ستيت في أغسطس/آب بالتحقيق مع الجماعتين.

حاكم تكساس غريغ أبوت صنّف الإخوان ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) منظمتين إرهابيتين أجنبيتين (أسوشيتد برس)

وبعد التصنيف صار الإخوان مفردة ثابتة في خطاب تل أبيب الموجه إلى الأمريكيين. فبعد فوز زهران ممداني بعمدية نيويورك، كتب وزير شؤون الشتات عميحاي شيكلي في موقع فوكس نيوز أنه “أكبر انتصار للإخوان المسلمين في الولايات المتحدة”، ووصف “التحالف الأحمر الأخضر” بأنه “شراكة إستراتيجية خطيرة” بين الإسلاميين واليسار التقدمي، تدعمها دولة قطر. ثم طلب من وزارة الدفاع الإسرائيلية حظر منظمة “كير” في إسرائيل استنادا إلى قرار ترمب.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025 قال بنيامين نتنياهو لقادة إنجيليين في فلوريدا إن هناك “جبهة ثامنة” مفتوحة للحرب على “قلوب الشباب وعقولهم في الغرب، وفي الولايات المتحدة خاصة”. وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026، خيّر رئيس الوزراء الإسرائيلي العالم بين “أخوية الديمقراطيات أو الإخوان المسلمين”. وقبل تسعة أيام من الاقتراع الأمريكي، قال نتنياهو لقناة “عروتس شيفع” إن “التحالف الأحمر الأخضر يدمر أوروبا”. لم يذكر نتنياهو عبدول السيد في أي تصريح عُثر عليه، لكن تيد كروز حين قال في ليلة الانتخابات التمهيدية إن ممداني وعبدول تعبير عن “التقارب الأخضر الأحمر” كان يتكلم بمعجم كتبه نتنياهو. وقد أقر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في فبراير/شباط 2026 بأن الحملة الأمريكية على الإخوان وكير “تتوافق إلى حد ما” مع مصلحة إسرائيل في مواجهة الخطاب المناهض للصهيونية، وحذر من أنها قد تعزز “تصور تدخل إسرائيل في السياسة الأمريكية”.

عبدول: سؤال أي أمريكا نريد؟

وقف دونالد ترمب مساء 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قبل تسعة أيام من الاقتراع، في قاعة ماكموران بمدينة بورت هيورون والمرشح الجمهوري مايك روجرز إلى جواره، فوصف عبدول بأنه “عضو جهادي في الإخوان المسلمين” يقف “في صف الإرهابيين”، وحذر من أن فوزه وفوز الديمقراطيين يعني أنهم “سيفتحون الأبواب ويدعون جحافل الجهاديين إلى شواطئنا”. ثم قرنه بخاطفي طائرات الحادي عشر من سبتمبر، وقال إن اليهود الذين يؤيدونه “يجب أن يخجلوا من أنفسهم”، ودعا ناخبي ميشيغان إلى منع “جهادي من دخول الكابيتول“.

وحكم موقع بوليتيفاكت على الكلام بأنه “كذب فاضح“، وكتب أنه بلا أساس ويستثمر صورا نمطية معادية للمسلمين. وكانت الحملة الجمهورية على عبدول قد بدأت ليلة فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي، حين هزم النائبة هيلي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية للحزب في 4 أغسطس/آب 2026، إذ قال السيناتور الجمهوري تيد كروز في برنامج على قناة فوكس نيوز تلك الليلة إن “السيد (يقصد عبدول) إسلامي أيضا، وكذلك ممداني”. وأضاف “ترون التقارب الأخضر الأحمر، حيث الشيوعيون والإسلاميون يريدون الشريعة”. وقال إن ذلك كله يجتمع في “حساء سام، سام جدا”.

في التسعينيات حل الأخضر محل الأحمر عدوا للأمريكيين بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وانتشرت مقولات صراع الحضارات والإرهاب المعولم. واليوم، يلتقي الأخضر بالأحمر في الخطاب اليميني المتطرف، إذ نقّب الجمهوريون في ماضي عبدول، فاستخرجوا مقالا كتبه عام 2011 يدعو إدارة أوباما إلى الوقوف “بحزم خلف المتظاهرين في مصر“، وبيانا وقعه في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 مع 45 مصريا مقيما في الولايات المتحدة يؤيد قرارات محمد مرسي “الثورية” ويطالبه “بتطهير الإعلام والشرطة”، وقال السيناتور الجمهوري مايك لي إن الرجل “هلّل لاستيلائهم على مصر قبل 15 عاما” ويجب ألا يقترب من لجنة العلاقات الخارجية.

وكانت مخاوف اليمين قد ارتفعت بعد فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، فكل مكسب يحققه الملونون والمسلمون يزيد حدة الحملة التي يشنها جمهوريون، بدفع من اللوبي الإسرائيلي، يروجون لفكرة أن الإخوان المسلمين حلوا محل تنظيم القاعدة بعد خروجه من الساحة.

ونشرت منصات يمينية متطرفة في أكتوبر/تشرين الأول تغريدة كتبتها عام 2012 أخت عبدول غير الشقيقة، إيمان عبد الهادي، تقول فيها إنها أجرت “حديثا رائعا مع أمي عن نشاطها في الإخوان المسلمين في مطلع السبعينيات وهي في الجامعة”. وهي السنوات التي فتح فيها السادات الجامعات للتيار الإسلامي لمزاحمة الناصريين والماركسيين. وقال عبدول حين سألته شبكة إن بي سي عن ذلك: “ليست لي صلات، ليست لنا صلات“، مضيفا أنه لم يدخل هذا النقاش مع أمه، إذ نشأ في بيت أبيه وزوجة أبيه الأمريكية بعد طلاق والديه، وقال: “لم تربني أمي”.

وسُئل عبدول في لقاء انتخابي في بلدة كارو، في 17 أكتوبر/تشرين الأول، إن كان يتبرأ من الإخوان فقال: “قطعا“. ويعي عبدول ما يحمله تصنيف الإخوان من حمولات في الولايات المتحدة، فالصورة السائدة اليوم ترى فيهم جماعة فاشية تريد إبادة اليهود، وترى فيهم في الوقت نفسه شيوعيين يهددون الهوية الأمريكية، وقد غابت صورة الجماعة المعتدلة التي رأتها واشنطن من السبعينيات حتى منتصف التسعينيات.

ولم تهدأ الحملة في أيامها الأخيرة. ففي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني كرر ترمب في تجمعين بولايتي كانساس وأيوا أن عبدول “جهادي” و”رجل من الإخوان المسلمين”، وقال ساخرا إنهم سيحتاجون من أجله إلى “جهاز خاص لكشف المعادن”. وفي اليوم نفسه وقفت هيلي ستيفنز، منافسة عبدول في الانتخابات التمهيدية، إلى جانب روجرز في كنيسة بديترويت وأعلنت تأييده، فوصف زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر خطوتها بأنها “خيانة حقيرة”، وقال رئيس الحزب الديمقراطي في الولاية إنها لم تعد عضوا فيه. وقال روجرز لبرنامج “60 دقيقة” إن عبدول “كتب رسالة تأييد للإخوان المسلمين”، فتبين لشبكة سي بي إس أن الرسالة هي البيان نفسه الذي وقعه مع 45 مصريا أمريكيا لتأييد قرارات الرئيس الراحل محمد مرسي.

ومع ذلك دخل عبدول يوم الاقتراع متقدما. فقد منحه متوسط الاستطلاعات على موقع ريل كلير بولينغ صباح 3 نوفمبر/تشرين الثاني تقدما بنحو 5 نقاط، بعدما كان أقل من 3 نقاط قبل عشرة أيام، وأعطاه آخر استطلاع لصحيفة نيويورك تايمز وكلية سيينا 53% مقابل 42% لروجرز.

جمع كروز عبدول وممداني في تهديد واحد، كما صار تعبير “اليسار الإسلامي” في فرنسا تهمة شائعة على لسان قوى اليمين الفرنسي. فالجماعة التي عرض مرشدها الأول على سكرتير السفارة الأمريكية حلفا ضد الشيوعية، وقال مرشدها الثالث إن الإسلام والشيوعية “لا يجتمعان أبدا”، يُنسَب إليها اليوم مرشح يقف على يسار الحزب الديمقراطي ويحمل برنامجا تقدميا يدعمه اليسار الأمريكي. واتهمت طهران التلمساني بأنه عميل أمريكي، ونشر عبد الناصر اتصال الجماعة بالدبلوماسي البريطاني باعتباره دليل خيانة، واتهمها ترمب اليوم بأنها عدو أمريكا من الداخل. وهكذا أصبحت جماعة الإخوان شماعة لتعليق الاتهامات الجاهزة لدى كل طرف سياسي مأزوم.