
تجاوزنا عام 2022 ولم تسقط إسرائيل كما تنبأ الباحث بسام جرار، ولم يبق على نهاية العقد الثامن لتأسيسها سوى عامين، ويبدو أنها لن تسقط مع اكتماله أيضا. تتبدل المواعيد، وتتغير النبوءات من حسابات رقمية وتأويلات دينية إلى نظريات عن أعمار الدول و”لعنة العقد الثامن”، ويبقى اليقين العربي باقتراب نهاية المشروع الصهيوني ثابتا لا يتزعزع. لكن ماذا لو كان هذا اليقين كسولا، يلجأ إليه العقل العربي هربا من السياسة ومتطلباتها، بديلا مريحا يعفيه من كلفة المواجهة المادية مع هذا اللفياثان الإسرائيلي الغاشم؟
كان عام 2022 أحد المواعيد التي حظيت باهتمام عربي واسع، فالنبوءة التي ارتبطت بالباحث الفلسطيني بسام جرار ظلت لعقود من أكثر صور التنبؤ بزوال إسرائيل تداولا في المجال العربي. بدأت الفكرة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، ثم ظهرت في كتابه “زوال إسرائيل 2022م: نبوءة أم صدف رقمية؟”، الذي حاول فيه الجمع بين قراءة بعض الآيات القرآنية، ولا سيما ما يرتبط بـ”وعد الآخرة” في سورة الإسراء، وحسابات عددية تقوم على حساب الجُمّل وتوظيف الرقم 19 وأنماط عددية أخرى.
قصص مقترحة
list of 3 items
- list 1 of 3إسرائيل: نهاية المطاف؟
- list 2 of 3نهاية إسرائيل تقترب
- list 3 of 3نهاية إسرائيل
end of list
لم تكن نبوءة جرار وليدة اللحظة بقدر ما كانت امتدادا لتراكم تاريخي طويل بدأ بتراث تفسيري كلاسيكي مع الطبري والقرطبي والبيضاوي، الذين تصدوا لتفسير إخبار الله لبني إسرائيل بأنهم سيفسدون في الأرض مرتين، وأن كل إفساد سيقابله عقاب إلهي. واختلفت أقوالهم في هوية “المسلَّط” في كل مرة بين جالوت وسنحاريب وبختنصر والفرس والروم، لكن الأهم أنهم انقسموا إلى اتجاهين، أولهما رأي جمهور السلف بأن الإفسادين وقعا في الماضي وانتهيا، والثاني رأي متأخر لأقلية يرى أن “وعد الآخرة” لم يتحقق بعد وما زال ممتدا في المستقبل. سبقت هذه القراءات قيام دولة إسرائيل بقرون، ولم تكن مرتبطة بها أصلا، لكن هذا الاتجاه الأقلي تحديدا هو ما أعيد توظيفه في تفسيرات حديثة كنبوءة جرار، ليقال إن إفساد إسرائيل المعاصر هو “وعد الآخرة” الذي لم يتحقق بعد.
خوف إسرائيلي ويقين عربي
يستعير العقل العربي هذه المخاوف الإسرائيلية الداخلية من الانهيار والزوال، ويعيد تدويرها حقائق مطلقة ويقينية، مستندا إلى أن مصدرها قادة أو مفكرون أو سياسيون إسرائيليون، أي أشخاص يُفترض أنهم أدرى من غيرهم بحال الدولة والمجتمع وباحتمالات الانهيار الداخلي أو الحرب الأهلية الوشيكة. وهكذا تحول الخوف الذي يُعبَّر عنه داخل إسرائيل إلى يقين عند عدد كبير من العرب المختصين بدراسة إسرائيل، فإذا كان الإسرائيليون أنفسهم يخشون انهيار دولتهم، فلا بد في هذا التصور أن الانهيار قادم ووشيك.
ويغيب عن هذا الطرح فرق أساسي بين أن يخشى مجتمع ما تكرار تجربة تاريخية يراها مريرة، وأن تتحول هذه المخاوف إلى حتمية تاريخية يُفترض أن تحكم مصائر الدول. والتاريخ لا يعمل بهذه الطريقة، فالدول تواجه خطر الانهيار والتفكك حين تفقد مؤسساتها القدرة على إدارة الصراع الداخلي، أو تتغير موازين القوة التي تسمح لها بالبقاء، أو تعجز مؤسساتها عن إعادة إنتاج النظام السياسي والاقتصادي والعسكري الذي تقوم عليه، أو حين تواجه قوة خارجية قادرة على استثمار تناقضاتها ودفعها إلى الانهيار.
وقد تكون الانقسامات الاجتماعية عميقة، ويبلغ الاستقطاب السياسي مستويات خطرة، وتفقد قطاعات واسعة من المجتمع ثقتها بمؤسسات الدولة، من دون أن يتحول أي من ذلك تلقائيا إلى انهيار شامل. فلكي تصبح الأزمة الداخلية أزمة وجودية للدولة، يجب أن تمس قدرتها الفعلية على إدارة الموارد، وإعادة إنتاج المؤسسات، والحفاظ على احتكار القوة، واتخاذ القرار. وفي غياب هذه النقلة، قد تبقى الأزمة أزمة داخل الدولة، لا أزمة الدولة نفسها ووجودها.
المفارقة إذن أن يتحول الخطاب التحذيري الإسرائيلي، في بعض الأوساط العربية، إلى يقين مريح بأن إسرائيل ستسقط عاجلا أم آجلا. وهذا تحديدا ما يجعل نقل هذه التحذيرات إلى الفضاء العربي بمعزل عن سياقها أمرا مضللا، فوجود هذه التناقضات كلها لا يعني تلقائيا انهيارا وشيكا، وآثارها الفعلية تتوقف على قدرة المؤسسات الإسرائيلية على إدارتها، وعلى قدرة الخصوم الخارجيين على تحويلها إلى نقطة ضعف حقيقية.
عمليا، يستخدم الإسرائيليون خطاب الخوف من الانهيار للتحذير من الانقسامات الداخلية، وحشد المجتمع، والدفع نحو تغيير سياسي أو مؤسسي بعينه. فحين يحذر سياسي أو مفكر إسرائيلي من الانقسام الداخلي، فهو لا يقول بالضرورة إن الدولة ستختفي أو ستنهار، وكثيرا ما يكون تحذيره محاولة لتحريك المجتمع ومؤسساته لمنع ذلك الانهيار تحديدا. أي أن التحذير من الانهيار في الحالة الإسرائيلية صار أداة للتعبئة السياسية أكثر منه نبوءة بقرب نهاية الدولة. وهذه نقطة ضرورية لفهم الخطاب السياسي عموما، فالمجتمعات لا تتحدث عن أخطارها كما يتحدث عنها المراقبون من الخارج، وقد يستخدم السياسي لغة كارثية ليمنع الكارثة من الوقوع أصلا.
إعلان
كما تستجيب إسرائيل لأزماتها الداخلية بتوسيع دائرة الصراع الخارجي، فتخلق حالة تضامن منبعها الخوف والتهديد الذي تولده الحرب نفسها. ويستثمر الساسة حالة الحرب لإعادة تعبئة الموارد، وتأجيل معالجة التناقضات الداخلية بوضع المجتمع كله أمام تهديد خارجي أكبر. وقد لا يضمن هذا التكتيك نجاح هذه الاستجابات حتما، لكنه يؤكد أن الانهيار ليس النتيجة الوحيدة الممكنة للأزمات التي تواجهها إسرائيل. وهنا تكمن مشكلة معظم الأطروحات التي تناقش “موعد السقوط” كأنه حتمي وسيقع تلقائيا بفعل الأزمات الإسرائيلية الداخلية.
ويضاف إلى ذلك أن إسرائيل ليست المجتمع الوحيد الذي يعاني الانقسام والاستقطاب والأزمات الاقتصادية والسياسية، فهي كأغلب دول الشرق الأوسط ترزح تحت هذا النوع من الأزمات. ولذلك فإن تحويل كل أزمة إسرائيلية إلى مقدمة حتمية للانهيار يعني ضمنا التعامل مع إسرائيل بوصفها كيانا استثنائيا في وجوده، لا يُفسَّر بقاؤه إلا بالمعجزة، ولا يُتوقع سقوطه إلا بالأسطورة والنبوءة.
فإسرائيل، مهما تعددت تناقضاتها، ومهما كانت طبيعة نشأتها الاستعمارية، ليست خارج قوانين السياسة. ولذا يمكنها أن تضمن استمرارها وهيمنتها على المنطقة ما دامت تحتفظ بأدوات القوة وتراكمها، كما يمكنها، مثل أي دولة، أن تكون منقسمة ومتماسكة في الوقت نفسه، وأن تعاني أزمة شرعية وهي تحتفظ بقدرة مؤسسية عالية.
إسرائيل ليست “فكرة” فقط
ربما أهم ما يغيب عن خطاب “الانهيار” أن إسرائيل ليست مجرد فكرة أيديولوجية يمكن أن تنتهي بمجرد انكشاف تناقضاتها أو تعرية وحشيتها. إنها في النهاية دولة لها مؤسسات وجيش واقتصاد وبنية تحتية وصناعات عسكرية وتكنولوجية وعلاقات دولية، وأجيال نشأت داخلها وتتعامل معها واقعا يوميا. هي ببساطة بنية مادية متكاملة.
وهذا التحذير المؤسسي يهدف، كغيره، إلى فرض سياسة تجنيد مختلفة، وهو أبعد ما يكون عن إعلان تفكك الجيش. لكنه يقترب مع ذلك من معيار “الضعف البنيوي”، لا الخلاف السياسي فحسب، لأنه يمس مباشرة قدرة الدولة المادية على إعادة إنتاج مؤسساتها. فأزمة تجنيد الحريديم لم تعد مناورة برلمانية، وتحولت منذ أواخر مايو/أيار 2026 إلى عصيان مدني فعلي، حين أمر النائب موشيه غافني من تحالف “يهدوت هتوراه” حزبه بوقف التعاون مع الشرطة بعد استئناف اعتقال المتهربين من التجنيد، ثم انسحب الحزبان الحريديان من الائتلاف الحاكم، وتتالت إغلاقات الطرق والاشتباكات، ومنها منع مئات المحتجين في موديعين الشرطة العسكرية من اعتقال متهرب من التجنيد في 5 أكتوبر/تشرين الأول الجاري. وهذا يمس مباشرة احتكار الدولة للقوة. ويزيد من خطورته أن عدد الحريديم ينمو بنحو 4.2% سنويا، مقابل 1.9% لبقية السكان، بحسب المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أي أن الاختلال ديموغرافي وتراكمي.
وفي هذا السياق، ربما يكون تراجع الثقة بالحكم، من الناحية النظرية، المؤشر الأخطر، إذ لا يثق بالحكومة ثقة عالية سوى 31% من اليهود الإسرائيليين، بحسب استطلاع معهد دراسات الأمن القومي في يوليو/تموز 2026، وهو مؤشر يمس تحديدا القدرة على التعبئة المجتمعية وقت الحاجة. ولأن إسرائيل دولة حرب في الأساس، فإن هذه الثقة لا غنى عنها، فمعدلات الاستدعاء المرتفعة للقتال، والمخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها المغامرات الحربية المتتالية، تتطلب ثقة عالية بالمؤسسة الحاكمة التي تقود هذه المغامرات.
ماذا حدث لأطروحة “الدولة الوظيفية” للمسيري؟
تمتد جذور التفكير الرغائبي لتطال إسهامات فكرية عربية واسعة الانتشار، في طليعتها مشروع المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري. فقد فكك المسيري بنية الكيان الصهيوني عبر صك مفهوم “الدولة الوظيفية”، مجادلا بأن إسرائيل مشروع استيطاني أوجده الاستعمار الغربي لأداء دور وظيفي محدد، وأن هذه الدولة تحمل بذور فنائها في داخلها بسبب تناقضاتها العميقة وتنافر مكوناتها الديموغرافية.
وتخطى المسيري التفكيك والتحليل ليقدم تنبؤه الخاص بموعد انهيار الدولة الصهيونية، فرأى في مايو/أيار 2008 أن هذه النهاية ربما تقع في غضون 50 عاما. ومع أن المسيري حدد أفقا زمنيا لسقوط إسرائيل، وهو ما تنتقده هذه المقالة بشدة، فإنه لم يتجاهل الشروط المادية لهذا السقوط، إذ ربط نهاية الكيان الوظيفي بفقدانه جدواه الإستراتيجية لدى داعميه، وبكلفة بقاء تتجاوز فوائده، وهي معادلة تفترض حتما وجود مقاومة فاعلة وإرهاق مادي يومي يرفع كلفة بقاء هذا الكيان على الأرض. لكن التلقي العربي اختزل هذا الجهد التحليلي المركب في نتيجة واحدة مجردة، هي أن إسرائيل ستنهار حتما، متجاهلا هذه الشروط المادية تماما، ومحولا القراءة إلى امتداد للنبوءات اللاهوتية السابقة.
وتغفل نظرية “الدولة الوظيفية” مسألة محورية، هي أن الدولة إذا نشأت أو تطورت ضمن وظيفة جيوسياسية معينة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ستظل أسيرة هذه الوظيفة إلى الأبد. فالدول قادرة على إعادة تعريف وظائفها، وإعادة بناء علاقاتها الدولية، وخلق مصالح جديدة تجعل استمرارها مرتبطا بعوامل تتجاوز الغرض الأصلي الذي نشأت من أجله. وأجادل بأن هذا هو حال إسرائيل مشروعا استعماريا يتطور مع الزمن ويجدد وظائفه في النظام الدولي. ويكفي القول إن إسرائيل، التي كانت يوما خلاصا لأوروبا من عقدة الذنب تجاه “الهولوكوست”، صارت اليوم أهم من ذلك بكثير بمنظوماتها التكنولوجية العسكرية التي تصدرها إلى أوروبا والغرب عموما.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين سبب التأسيس وشروط الاستمرار، فقد يكون للدولة سبب تاريخي محدد في نشأتها، لكن استمرارها لعقود يخلق واقعا جديدا لا يمكن اختزاله في لحظة التأسيس. ولذلك، حتى لو افترضنا أن الدعم الدولي والوظيفة الجيوسياسية عاملان حاسمان في استمرار إسرائيل، فإن فقدان جزء من هذه الوظيفة لا يعني بالضرورة اختفاء الدولة في اليوم التالي.
وإعادة قراءة المسيري على هذا النحو تعيد المسؤولية إلى السياسة، لا إلى الانتظار بوصفه فعلا سلبيا. فمصير الكيان مرتبط بمصالح ووظائف وشبكات قوة يمكن تغييرها بقوة مقابلة، لا بوظيفة يُفترض أن تنتهي من تلقاء نفسها. وقد تفقد إسرائيل عند نقطة تاريخية معينة جدواها الوظيفية وما يمكن أن تقدمه للغرب، لكنها قد تستمر مع ذلك دولة “طبيعية” ذات تأسيس مادي في الشرق الأوسط.
بل إن إسرائيل اليوم تتجاوز فعلا دورها المجرد بوصفها “دولة وظيفية”، وتؤسس لنفسها موقعا أقرب إلى الدولة الطبيعية، تفرضه بقوة السلاح وتراكم رأس المال والتحولات الديموغرافية. فنحن نواجه اليوم أجيالا ثانية وثالثة وُلدت داخل هذا الكيان ولا تعرف وطنا سواه، وتتعامل مع إسرائيل بوصفها “الدولة اليهودية” و”أرض الميعاد”، وتدافع عنها بشراسة باعتبارها وطنها الوحيد. وهذه السرديات، وإن كانت أكاذيب تاريخية، تمثل في وعي الإسرائيليين حقائق مطلقة ومحفزات للبقاء.
صناعة “الخبراء” وإعادة إنتاج العجز
ثمة تزايد مقلق في أعداد المختصين بالشأن الإسرائيلي في وسائل الإعلام العربية، حتى صرنا نعاني تخمة حقيقية في الباحثين الذين يتتبعون الشأن الإسرائيلي الداخلي في أدق تفاصيله. ويغيب عن معظم ما ينتجه هؤلاء تقديم أدوات معرفية تعين الجمهور على الاشتباك مع العدو، فيتحول إنتاجهم إلى رصد يومي للأسباب التي تعجّل باللحظة المنتظرة للسقوط الوشيك.
وتزدحم الشاشات والمنصات العربية بكتابات وتحليلات عن الحرب الأهلية التي كانت ستندلع قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، وتُفرد مساحات واسعة لصراع اليمين واليسار، ويُضخَّم صراع العلمانيين والمتدينين. وتعمل هذه الصناعة الإعلامية أداة أيديولوجية تعيد إنتاج العجز العربي، وإن قدمته في غلاف من المعرفة المتخصصة.
وقد ناقش هربرت ماركوز هذا النوع من الاحتواء في كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد”، ووفق هذا التحليل فإن التغطية المبالغ فيها تخلق حالة من التنفيس الوهمي تُفرغ أي طاقة تحررية من مضمونها، وتحيلها إلى استهلاك سلبي للأخبار والتحليلات. وهكذا يصبح مشهد العدو الذي يأكل نفسه على الشاشة أداة لترويض المشاهد العربي، وهو ما يقترب مما يسميه الفيلسوف النمساوي روبرت بفالر وسلافوي جيجك “التفاعلية السلبية” (Interpassivity)، أي نمط من استهلاك المحتوى تفعل فيه الشاشة الأشياء نيابة عنا. فالمتخصص في الشأن الإسرائيلي يغضب ويحلل وينتصر بالنيابة عنا نحن المشاهدين، فيتحقق لدى المشاهد رضا زائف يعفيه من استحقاقات المواجهة الحقيقية.
وعلى العكس من ذلك، حري بالمعرفة العربية المنتجة عن إسرائيل أن تكون أداة سياسية في خدمة مشروع التحرير، لا وسيلة للهروب من السياسة وإكراهاتها.
إسرائيل بين أسطورتين
ثمة أسطورتان متناقضتان ظاهريا، لكنهما تؤديان وظيفة متشابهة. الأولى ترى في إسرائيل قوة خارقة لا يمكن هزيمتها، وأن تفوقها العسكري والتكنولوجي والدعم الغربي لها يجعلان أي محاولة لتغيير الواقع ضربا من المستحيل. والثانية ترى فيها دولة هشة إلى حد أنها ستنهار وحدها إن تُركت لتناقضاتها الداخلية.
وتصل الروايتان كلتاهما بنا إلى نتيجة واحدة، رغم ما يبدو بينهما من تناقض فج. فإذا كانت إسرائيل لا تُهزم، يصبح الفعل السياسي عبثا. وإذا كانت ستنهار وحدها، يصبح الفعل السياسي غير ضروري. وهذا هو الرابط الأعمق بين الأسطورتين، فكلتاهما تسلب السياسة أهميتها ودورها، الأولى بتضخيم قوة الخصم حتى الاستحالة، والثانية بتقليص قوته حتى لا تبقى حاجة إلى فعل أي شيء لإسقاطه.
ويؤدي تأطير العدو أسطوريا، في الحالتين، إلى خسارة المعركة قبل أن تبدأ. فمع غياب الفهم الحقيقي للعدو بوصفه واقعا ماديا قائما أمامنا، تتحول المواجهة إلى صراع عبثي يخوضه العقل العربي ضد أشباح صنعها بنفسه. وإذا كانت الحقيقة تقع غالبا بين أسطورتين، فإن الحقيقة هنا، وربما هي الأكثر إزعاجا، أن إسرائيل قابلة للهزيمة، لكنها ليست بالضرورة آيلة إلى سقوط تلقائي.
نحو وعي مادي بالصراع
غني عن القول إن هذه المقالة تفارق تماما أي مسعى للاستسلام أمام الهيمنة الإسرائيلية، أو لإنكار الأزمات الطاحنة التي تضرب إسرائيل داخليا منذ ما قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول. فغرضها لا يتعدى تصحيح رؤية العقل العربي لإسرائيل ومستقبلها، بقراءة تضع إسرائيل في واقعها المادي الصارم، وتؤسس لشرط المواجهة الحقيقية على الأرض بوصفها أمرا لا مفر منه.
إن مواجهة هذا السرطان الاستيطاني التدميري تتطلب إعادة تعريف الصراع وفق قواعد القوة المادية الصلبة، ومقاربة إسرائيل بوصفها آلة عسكرية تعيد تشكيل الشرق الأوسط وتهيمن عليه. وفي هذا الطريق، يمثل إسقاط وهم “السقوط الحتمي” الخطوة الأولى نحو وعي تحرري يرى الأشياء على حقيقتها. فنهاية إسرائيل لا تتحقق إلا بصياغة أدوات اشتباك سياسية واقتصادية ومكانية تفكك بنية الاحتلال تدريجيا، وتعيد بناء القوة العربية المضادة، أما النبوءات والأمنيات المريحة فتُترك للمنجمين.
ويقودنا هذا الفهم المادي للصراع إلى لحظة 7 أكتوبر/تشرين الأول، التي تستمد جزءا من قيمتها الإستراتيجية من كونها فعلا مغرقا في ماديته، تأسس مباشرة على إدراك دقيق وصارم للشروط المادية للمواجهة. فقد جاء الطوفان بعد تجهيز طويل، واستعداد عسكري ولوجستي، وقراءة عميقة للعدو، وتعامل العقل المخطط له مع إسرائيل بوصفها كيانا صلبا يتطلب الكسر العسكري المباشر ولا يفهم غير لغة القوة. ولهذا قدم هذا الاشتباك حالة فارقة ونموذجا عمليا لفهم طبيعة دولة إسرائيل وطبيعة المعركة معها، ولتفكيك تكوينها العسكري والسياسي والاقتصادي ببناء قوة مادية مقابلة، تقطع جذريا مع ثقافة الانتظار العربية السائدة.
وهكذا يصبح الدرس الأهم لـ7 أكتوبر/تشرين الأول استبدال سؤال “متى تسقط إسرائيل؟” بسؤال “كيف يتغير ميزان القوى على نحو يُسقط الاحتلال الإسرائيلي؟”.
