محمد مهدي شمس الدين.. الفقيه الشيعي الذي رفض ولاية الفقيه

  • Home
  • Arabic
  • محمد مهدي شمس الدين.. الفقيه الشيعي الذي رفض ولاية الفقيه
محمد مهدي شمس الدين.. الفقيه الشيعي الذي رفض ولاية الفقيه

محمد مهدي شمس الدين.. الفقيه الشيعي الذي رفض ولاية الفقيه

حفظ

موسى الصدر (مؤسسة الإمام الصدر)

الكفاح الدستوري ونبذ الثورة

ورغم أن العلامة شمس الدين يمكن نسبته إلى الإصلاحية الشيعية منذ حركة التنباك والدستورية، مرورا بعلي شريعتي وتيار الحرية والطالقاني، فإنه، بحكم بيئته السياسية والاجتماعية، رفض الثورة على الأنظمة، ودعا إلى الكفاح المدني والدستوري وتجنب المواجهة المسلحة. وكان ذلك مناقضا بوضوح لأفكار التيار الإيراني الداعي إلى تصدير الثورة والكفاح المسلح.

إعلان

لم تكن مسألة تصدير الثورة هامشية في الفكر الثوري الإيراني من البداية، بل نظّر لها الخميني نفسه وحث عليها. ويقول الباحث حيدر حب الله في دراسته “التيارات الإسلامية في لبنان” في هذا السياق: “اعتقد الشيخ شمس الدين بضرورة مصالحة الحركات الإسلامية للأنظمة العربية، ومارس تنظيرا فقهيا لرفض العنف المسلّح ضد الأنظمة الفاسدة، فيما كان السائد على مستوى الحركات الشيعية في الثمانينيات، وتلك المؤيّدة لإيران، هو الجهاد ضدّ هذه الأنظمة لقلبها والإمساك بالسلطة.

من هنا كانت علاقة شمس الدين بالأنظمة علاقة ممتازة في هذا الإطار وبهذا المعنى، ونحن نعرف أن الحركات والتيارات الإسلامية الشيعية عدلت، في أغلبها، عن هذا النهج الذي رفضه شمس الدين منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، بل قد دعا السيد حسن نصر الله نهاية التسعينيات صريحا الحركات الإسلامية إلى ذلك، وكان هذا تحوّلا كبيرا، يقال: إنّ سببه يرجع إلى السياسات التي انتهجها الشيخ علي أكبر هاشمي رفسنجاني إبان توليه الرئاسة الإيرانية”.

وكان هذا النهج الذي اتبعه الشيخ شمس الدين قريبا من النهج الذي اتبعه الشيخ محمد الغزالي في مصر، عندما رفض العمل المسلح الذي مارسته جماعات الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر ضد أنظمة الحكم باعتبارها أنظمة كافرة أو عميلة. لكن الغزالي وإن رفض العمل المسلح فإنه أبقى على خط الكفاح الدستوري في الوقت نفسه، فلم ينصهر في تبرير السياسات الجائرة لبعض الحكومات ولم يكن داعما للاستبداد، كما ذكر صديقه وزميله أستاذ الفلسفة حمدي زقزوق في مذكراته “رحلة حياة”.

والحديث عن الغزالي ومجمل المشهد الفكري في العالم العربي مهم في هذا السياق لأنه متداخل ومؤثر بعضه في بعض، فقد ذكر آية الله حسين علي منتظري في مذكراته أن الحركة الإسلامية الإيرانية تأثرت بمنظري الحركة الإسلامية في مصر في الخمسينيات والستينيات. ومن شواهد ذلك زيارة نواب صفوي لمصر عام 1954 بدعوة من سيد قطب، وترجمة علي خامنئي كتابين لقطب إلى الفارسية قبل الثورة.

الحجة الأهم في تفكير شمس الدين (يمين) هي أن الغيبة ليست مجرد غياب للإمام، بل هي في حقيقتها إعادة توزيع للصلاحيات (الفرنسية)

الحقّ السياسي للأمّة

ما الأمة في فلسفة شمس الدين السياسية؟ الأمة ليست مجرد مجموع الأفراد المسلمين، وليست كتلة مبهمة يُحرّكها الفقيه أو الزعيم بما يراه ملائما. الأمة عند شمس الدين كيان ذو شخصية حقوقية وأخلاقية وسياسية متمايزة، وهي صاحبة الولاية الأصلية على نفسها وعلى شؤونها في غياب الولاية المعصومة. وهذه المقاربة تستلزم نقلة فلسفية في فهم مفهوم “الولاية” نفسه.

إعلان

فالولاية في الفقه الكلاسيكي تحمل دلالة تسلطية، فأن يكون فلان وليا على آخر يعني أن تكون له سلطة الوصاية والتصرف. لكن شمس الدين يغير هذا المعنى حين يجعل الأمة ولية على نفسها؛ فالولاية هنا ليست سلطة شخص على جماعة، بل سيادة الجماعة على مصيرها.

والفارق الجوهري بين مفهوم شمس الدين والمفاهيم الليبرالية للسيادة الشعبية يكمن في مصدر الشرعية ومحدداتها، ففي النظرية الليبرالية الكلاسيكية من روسو إلى رولز، السيادة للأمة لأن الأمة هي الكيان الذي ينبثق منه العقد الاجتماعي ابتداء. أما عند شمس الدين، فالأمة صاحبة الولاية لأن الله نفسه، في نظام الغيبة، هو الذي أعاد إليها هذه الصلاحية، إذ أناط بها تدبير شؤونها.

فالولاية تبقى في إطارها اللاهوتي، لكن موضعها ينتقل من الفقيه إلى الأمة. وهذا يعني أن ولاية الأمة على نفسها ليست إقرارا علمانيا بأن السياسة مستقلة عن الدين، بل هي إقرار ديني عميق بأن الأمة، كجماعة مؤمنة مكلَّفة، هي الممثل الشرعي الوحيد للإرادة السياسية في غياب الإمام المعصوم. فالدين لا يُلغَى من السياسة، بل يُعاد توزيعه على الأمة عوضا عن توزيعه على الفقيه.

السيد محمد حسين فضل الله ذهب منذ بدايات التسعينات إلى إمكانية تعدد الولي الفقيه بعد أن كان يقول بولاية الفقيه (الفرنسية)

المبادئ الدستورية

ينظّر شمس الدين للدولة الدستورية الشورية، التي تستند إلى التعددية واحترام الحقوق السياسية والدينية للأمة، والمشاركة في اتخاذ القرار، ومنبع ذلك كله عنده الشورى والتمثيل الشعبي الحقيقي لا المتوهم. يقول شمس الدين: “ينبغي أن يكون مبدأ الشورى في الشؤون العامة أهم المبادئ الدستورية السياسية على الإطلاق، عند الشيعة الإمامية في عصر غيبة المعصوم، وعند السنّة وسائر المسلمين منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم” (شمس الدين، في الاجتماع السياسي الإسلامي، بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، 1992، ص107). ويمكن تلخيص المبادئ الدستورية وفقا لتصوراته في مجموعة من المبادئ.

المبدأ الأول هو الشورى. وإذا كانت الشورى أهم مبدأ دستوري عند شمس الدين، فهي من أهم المبادئ المكونة لمفهوم الأمة ومفهوم المجتمع السياسي في الإسلام عنده. والأهم أن شمس الدين جعل الشورى من القطعيات لا من الظنيات، قائلا: “وحسبنا أن نذكر هنا أن النص القرآني القاطع قد دلّ على تشريع هذا المبدأ الدستوري في آيتين محكمتين: الأولى: دلت على وجوب الشورى على الأمة في إدارة أمورها العامة، وهي قوله تعالى في سورة الشورى المكية: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، وهذا ليس وصفا للمؤمنين، وإنما هو حكم شرعي وضعي تنظيمي على المسلمين، يقضي أن يطبقوه في حياتهم العامة، ليتم إسلامهم وإيمانهم”. أما الآية الثانية فقد “دلت على وجوب الشورى على الحاكم في ممارسته لمهمة الحكم، وهي قوله تعالى في سورة آل عمران المدنية: ﴿وشاورهم في الأمر﴾” (شمس الدين، في الاجتماع السياسي، ص108).

وفي هذه الآية الأخيرة يلتفت شمس الدين إلى لمحة مهمة لم أجد من تفطن إليها غيره، وهي أن الآية نزلت في المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وبعد خطأ رأي الشورى الذي ألزم المسلمين بالخروج لملاقاة المشركين. وعلى الرغم من أن رأي النبي نفسه وجمهرة من كبار الصحابة كان المكث في المدينة، فإنهم التزموا برأي الشورى الذي آل إلى هزيمة المسلمين. وعلى الرغم من أن “نتيجة الحرب قد كشفت عن خطأ الرأي الذي انتهت إليه الشورى من الناحية العسكرية وصواب الرأي الآخر، نصَّ الوحي على إلزام النبي باتباع طريق الشورى” (في الاجتماع السياسي، ص108).

ويجعل شمس الدين آيات الشورى عامة وشاملة، لتشمل التدبير السياسي والشأن العام: “فإن المشورة والمشاورة في القضايا الفردية والأمور الخاصة من الأمور التي جرت عليها عادة البشر جميعا ومما تقتضيه طباعهم ويتلاءم مع مصالحهم الخاصة، وليس الأمر بها تأسيسا لنهج جديد في حياة الناس. وإنما الجديد هو الشورى في الأمور العامة على مستوى المجتمع، وعلى مستوى الحكم، فإن ذلك أمر لم يكن مألوفا في المجتمع السياسي، وفي قضية الحكم فقد كان السائد على مستوى الحكم هو الاستبداد والديكتاتورية والحكم الفردي ولم يكن لرأي المجتمع وزن أو قيمة”.

ثم جعل هذا الحكم الدستوري حكما وضعيا: “وحيث اقتضت حكمة الله أن الحكم السياسي لا يكون في غير حالة كون الحاكم معصوما إلا بالشورى فقد اقتضى ذلك إنشاء هذا الحكم الوضعي، التنظيمي والأصل الدستوري، للأمة الإسلامية” (في الاجتماع السياسي، ص109). وشرط الشورى عنده ألا تخالف نصا قطعيا من كتاب أو سنة.

في فلسفة شمس الدين، لا تستمد النخبة الدينية أو “أهل الحل والعقد” مشروعيتها من خصائصها الذاتية، بل من تفويض الأمة عبر آليات الشورى المعاصرة كالانتخابات (الفرنسية)

ثم يجزم ثانيا بعدما تردد أولا، فيجعل القضاء من شؤون الأمة في فترة غياب النبي والمعصوم: “وأما تعيين الفقيه الفلاني في منصب القضاء فلا بد أن يكون باختيار الأمة بنحو من أنحاء الشورى والانتخاب وليس من سلطات الحاكم أو ولي الأمر غير المعصوم” (في الاجتماع السياسي، ص120). وهنا تتسق نظريته؛ فالقضاء مستقل عن السلطة السياسية، والسلطة السياسية كذلك منتخبة بيد الأمة تتأتى شرعيتها من الناس، لا من الفقيه ولا من أي شخص غير معصوم، لما تكتنفه من العوارض البشرية.

ويبقى سؤال المال؛ فقد كان شمس الدين من القلة الحوزوية التي التفتت إلى سؤال المال وعلاقته بالدولة والحكم والاستبداد والدستورية، فالمال مدار من مدارات الصراع بين التيارات والأحزاب والأشخاص طوال تاريخ البشرية، والصراع على الموارد كامن في أحشاء الشأن العام والتدبير السياسي كله.

ويمكن القول إن شمس الدين من أهم من تكلم من الفقهاء عن الحقوق المالية للناس وحفظ كرامة الجماهير، وقد أصّل لإغناء الناس وكفايتهم وجعل ذلك من واجبات الدولة، فيقول: “ولا يجوز من الناحية النظرية التشريعية أن يكون في المجتمع الإسلامي أسرة أو شخص لا يجدان كفايتهما، من الحاجات الحياتية بحسب المستوى السائد المتعارف عليه في المجتمع” (في الاجتماع السياسي، ص123). وتأصيله قريب مما طرحه وأوجبه إمام الحرمين الجويني والعز بن عبد السلام قديما، ومحمد الغزالي حديثا.

وشمس الدين لا يرفض إثقال كاهل الفقراء بالضرائب فحسب، بل يجعل فلسفة الزكاة والصدقات والضرائب في الإسلام مبنية على حفظ كرامة الفقراء، فالمبدأ الأساسي للسياسة المالية التي أقرها القرآن هو ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ (الحشر: 7). أي أن مسألة الزكاة والصدقات ليست منّة ولا نفحة من الأغنياء للفقراء، بل فريضة شرعية، وعمل تدبيري من أعمال الدولة وفقه العدالة فيها.

واللافت أن شمس الدين جعل الأمة كذلك هي المسؤولة عن المسألة المالية، وليس الحاكم المستبد، أي أن لها حق الولاية أيضا في تلك الناحية، لأن الخطاب القرآني المتعلق بالمال إنما توجه إلى عموم الأمة، حسب قوله. ثم استدل بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ (البقرة: 278)، وقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (النساء: 29)، فخطاب التكليف في هذه الآيات وغيرها موجه إلى الأمة لا إلى الحاكم (في الاجتماع السياسي، ص125).

بل يجعل شمس الدين المهمة الجوهرية للحاكم أو الرئيس أو الخليفة هي رعاية الإنسان وحفظ كرامته، فيقول: “الحكم في الإسلام لا يقف عند حدود مهماته البوليسية التي تتلخص في حفظ الأمن الداخلي والخارجي فحسب، بل هو ذو مهمات تتجاوز هذا النطاق بكثير، إن مهمات الحكم في الإسلام هي رعاية الإنسان من جميع الوجوه” (شمس الدين، بين الجاهلية والإسلام، ص192).

وأخيرا، فإن شمس الدين وإن كانت له رؤية مغايرة عن غيره من الإصلاحيين السنة والشيعة في بعض المسائل، فإنه يمكن القول إنه امتداد لمدرسة الإصلاح الكبرى في العالم الإسلامي التي أرسى دعائمها الشيخ محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني، وقد تكلم عن هذه المدرسة في غير موضع بانبهار شديد، بيد أن له مؤاخذات وجيهة عليها ليس محلها هنا (بين الجاهلية والإسلام، ص301-311).

تبدو إذن نظرية “ولاية الأمة على نفسها” اجتهادا فقهيا ومحاولة لإعادة توزيع السلطة داخل البنية الإسلامية ذاتها، من الفرد إلى الجماعة، ومن الوصاية إلى المسؤولية، ومن الولاية إلى الحق السياسي للأمة. إنها لا تنفي الدين عن السياسة، بل تعيد توطينه في ضمير الأمة، بحيث تصبح الجماعة المؤمنة، لا الفرد المعصوم ولا نائبه، هي الفاعل المركزي في تقرير مصيرها.

غير أن السؤال الذي يظل قائما، وربما أكثر إلحاحا اليوم، ليس في صلاحية هذه النظرية من حيث التنظير الفلسفي والتأصيل الفقهي والأصولي، بل في قدرتها على التحقق في واقع سياسي معقد، تتداخل فيه السلطة بالدين، والجغرافيا بالأيديولوجيا، والمصالح بالتأويلات. فهل يمكن للأمة، في عالمنا المعاصر، أن تمارس ولايتها على نفسها حقا؟ أم أن هذا التصور سيظل أمرا نظريا يصطدم بواقع القوة والسيطرة والنفوذ من جماعات المصالح المحلية وأنظمة الحكم تارة، ومن الإمبريالية العالمية تارة أخرى؟

بين هذا الأفق وذلك الواقع، تظل أطروحة شمس الدين واحدة من أكثر المحاولات عمقا في التفكير في سؤال السلطة في الإسلام، لا لأنها تقدم جوابا نهائيا، بل لأنها تعيد طرح السؤال على نحو أكثر جذرية وصدقا، وتجعل الأمة في القلب منه، فهي، أي الأمة، مداره وعلّته ومورده، وهي من تَحكم وتُحكم.

المصدر: الجزيرة