“مذبحة الياقات البيضاء”.. ما الذي تخفيه أنثروبيك وأخواتها عن مستقبلك المهني؟

  • Home
  • Arabic
  • “مذبحة الياقات البيضاء”.. ما الذي تخفيه أنثروبيك وأخواتها عن مستقبلك المهني؟
“مذبحة الياقات البيضاء”.. ما الذي تخفيه أنثروبيك وأخواتها عن مستقبلك المهني؟

“مذبحة الياقات البيضاء”.. ما الذي تخفيه أنثروبيك وأخواتها عن مستقبلك المهني؟

حفظ

داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك (غيتي)

ولم يكن المستمعون جمهورا مجردا، إذ كانوا طلابا يختارون تخصصا، وخريجين يقررون إن كانوا سيتقدمون إلى وظيفة في المحاسبة أو البرمجة، وشبابا يعيدون حساب سنواتهم المقبلة. وربما اتخذ كثيرون منهم قرارات يصعب الرجوع عنها، لأن رجلا يشارك في تطوير هذه التقنية بنفسه قال لهم إن الباب يوشك أن يغلق أمامهم.

إعلان

ثم بعد مرور عام -تحمل تنقلنا في الزمن قليلا من فضلك- تحديدا في 5 مايو/أيار الماضي، جلس الرجل نفسه على مسرح قاعة في مانهاتن السفلى، إلى جوار جيمي ديمون رئيس مصرف “جيه بي مورغان تشيس”، أكبر مصارف العالم، ليقول كلاما مختلفا تماما. قال إنك إذا نجحت في أتمتة 90% من وظيفة ما، سيؤدي الجميع الـ 10% الباقية، ثم تتسع هذه النسبة حتى تصير هي الوظيفة كلها، فتتضاعف إنتاجية العامل 10 مرات، وأسند كلامه هذه المرة إلى مفارقة جيفونز التي تحدثنا عنها.

“الرجل الذي أطلق التحذير قبل عام، هو نفسه الذي عاد ليربت على أكتاف من أخافهم”

ما قيل في تلك القاعة لم يكن تحليلا اقتصاديا بقدر ما كان عزاء، فالرجل الذي أطلق التحذير قبل عام، هو نفسه الذي عاد ليربت على أكتاف من أخافهم، وليقول لهم إن ما ينتظرهم هو وظيفة أوسع وأثمن. والعزاء، حين يأتي ممن تسبب في الفزع، يستحق أن يفحص بعناية أكبر.

لم يكتب جيفونز هذه الفكرة عن الفحم وحده، بل طبقها في الفصل ذاته على البشر، وضرب مثالا يوضح مقصده، وهو مثال عن الخياطات التي لم يصبهن ضرر من ماكينة الخياطة، بل كسبن بفضلها أجورا لم يكنّ يتوقعنها. وفي ذلك المثال تفصيل يستحق التأمل، فالخياطة التي تحدث عنها جيفونز كانت تتقن مهارة الخياطة قبل أن تصل الماكينة إلى المشغل، وكل ما فعلته الآلة أنها رفعت قيمة مهارة تملكها بالفعل. أما الفتاة التي لم تمسك إبرة في حياتها، وتقف على الباب باحثة عن أول عمل تتعلم فيه أساسيات المهنة، فلم يكتب عنها جيفونز حرفا واحدا.

كنا قد تناولنا في تقرير سابق من يستفيد من الفجوة بين ما يفعله الذكاء الاصطناعي فعلا وما يقال إنه يفعله. ونحاول هنا أن نتتبع ما جرى بعد ذلك، أي هذا العزاء نفسه، من الغرفة التي قيل فيها إلى الشروط التي يحتاج إليها كي يصبح حقيقة فعلا، وأن نسأل إذا ما كانت الممارسات الحالية للشركات تقود إلى هذا الاتجاه فعلا، أم أنها تغلق الأبواب التي تزعم أنها تفتحها أمام الناس.

العمل المعقد ما زال يعتمد على إشراف بشري (بيكسابي)

أي 10%؟

في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، نشر فريق مكروري التقرير الرابع من “المؤشر الاقتصادي”، وهو تحليل لنحو مليوني محادثة حقيقية جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نصفها من مستخدمي “كلود” العاديين ونصفها من الشركات. والطريقة بسيطة، إذ أخذوا قاعدة “أونت” الحكومية، وقدروا لكل مهمة فيها مستوى التعليم الذي تحتاج إليه، ثم سألوا سؤالا واحدا: ما مستوى التعليم الذي تتطلبه المهمة المتوسطة في الاقتصاد الأمريكي، وما مستواه في المهام التي يؤديها نموذج “كلود” فعلا؟

المهمة المتوسطة في الاقتصاد الأمريكي تحتاج إلى 13.2 سنة من التعليم، أما المهام التي يؤديها “كلود”، فتحتاج إلى 14.4 سنة. الفارق هنا سنة كاملة من التعليم، فالآلة في المتوسط لا تلتقط العمل البسيط في الوظيفة، وإنما تلتقط الجزء الأعلى مهارة فيها.

ثم سأل الفريق عما يتبقى لصاحب الوظيفة إذا انتقلت هذه المهام إلى الآلة، فكانت الإجابة، بعبارة التقرير نفسه، “أثر إفقار مهاري صاف” في معظم المهن. وهو ما يحدث حين تجعل التكنولوجيا وظيفة معينة أسهل بكثير، لدرجة أن العامل يفقد مهاراته وخبرته مع الوقت لأنه لم يعد بحاجة لاستخدام عقله أو يديه، وفي نفس الوقت لا يتعلم مهارات جديدة ذات قيمة تعوض هذا النقص.

“يحدث الإفقار المهاري حين تجعل التكنولوجيا وظيفة معينة أسهل بكثير، لدرجة أن العامل يفقد مهاراته وخبرته مع الوقت، وفي نفس الوقت لا يتعلم مهارات جديدة تعوض هذا النقص”

والمثال الذي ضربه التقرير هو وكيل السفر، الذي يشمل عمله تخطيط رحلات معقدة بين مدن ومواعيد وميزانيات متضاربة، ويشمل كذلك شراء التذاكر وتحصيل المدفوعات. فإذا تولى النموذج التخطيط، بقي له أن يشتري التذاكر ويحصل المال. هنا لم تختفِ الوظيفة، بل صارت أقل مما كانت.

والأثر ليس واحدا في كل المهن، فمدير العقارات يحدث له العكس، إذ تأخذ الآلة منه مسك الدفاتر فيتفرغ للتفاوض على العقود. وتقول أنثروبيك صراحة إن هذه ليست نبوءة حتمية، وإنما أثر أولي في تجربة مبسطة يعكس قدرات النماذج في لحظتها.

غير أن دعوى أمودي كانت عامة بلا استثناء، ولم يقل إنها تصح في مديري العقارات دون وكلاء السفر. أما الشركة فقاست الإفقار بوصفه المتوسط المحتمل لا الاستثناء. وسواء أكان ما يتبقى للإنسان رفيعا كما يفترض أمودي ومكروري، أم متواضعا كما تقول أرقام الشركة نفسها، فالحجتان تقومان معا على أن ثمة إنسانا واقفا هناك ليؤديه. وهذا الافتراض هو الذي انشغلت به الشركات في العامين الأخيرين، لا في تصريحاتها، بل في قراراتها.

درجة السلم الأولى

في مارس/آذار 2025، أرسل توبي لوتكي، الرئيس التنفيذي لشركة “شوبيفاي” (Shopify) الكندية التي تدير منصات التجارة الإلكترونية لملايين المتاجر، مذكرة إلى موظفيه، وحين بدأت تتسرب نشرها بنفسه علنا. تقول المذكرة إن على الفرق، قبل أن تطلب موظفين جددا، أن تُثبت عجزها عن إنجاز ما تريد بالذكاء الاصطناعي. وجعل لوتكي إتقان هذه الأدوات توقعا أساسيا من كل عامل، وأضاف أسئلة عنه إلى تقييمات الأداء، وطبق القاعدة على فريقه التنفيذي أيضا.

إعلان

انتبه إلى التاريخ، مارس/آذار 2025، أي قبل 14 شهرا من مسرح قاعة مانهاتن ونبوءة أمودي. تغيرت السردية مرتين في تلك الشهور؛ مرة من التحذير إلى الطمأنينة، ومرة من الطمأنينة إلى التحذير مجددا، أما القاعدة فبقيت كما هي.

وليست شوبيفاي حالة منفردة، ففي يونيو/حزيران الماضي (2026)، أصدرت “برايس ووترهاوس كوبرز” (PwC)، إحدى أكبر أربع شركات محاسبة واستشارات في العالم، مؤشرها السنوي عن الذكاء الاصطناعي والوظائف، مبنيا على تحليل أكثر من مليار إعلان وظيفة في 27 دولة، منها 2.4 مليون وظيفة للمبتدئين في الولايات المتحدة وحدها. والنتيجة ليست أن وظائف المبتدئين اختفت، بل كانت أغرب من ذلك.

“وظائف المبتدئين صارت تشترط مهارات كانت تُطلب عادة في كبار الموظفين وهو ما يعني أن السلم الوظيفي يتقلص”

وجدت الشركة أن وظائف المبتدئين في المهن الأكثر تعرضا للذكاء الاصطناعي صارت أكثر احتمالا بـ 7 مرات لأن تشترط مهارات كبار الموظفين، كالحكم على الأمور والقيادة والتعامل المباشر مع الناس. وفي المهن الأشد تعرضا، كانت 52% من المهارات التي ظهرت حديثا في إعلانات وظائف المبتدئين تُطلب عادة من ذوي الخبرة. وفي المهن الأقل تعرضا، كانت النسبة 7%، وتصف الشركة ما تراه بقولها إن “السُلّم الوظيفي التقليدي يتقلص”.

بعبارة أوضح، لم يُلغَ الباب، بل رُفع عن الأرض، وصار المطلوب من ابن 22 عاما أن يثبت ما كان يثبته ابن 35 عاما. ولا يناقض هذا ما قاسته أنثروبيك، فتلك قاست ما يسلمه العامل إلى الآلة داخل وظيفة قائمة، وهذه تقيس ما يشترطه صاحب العمل حين يفتح بابا جديدا.

وتفسير شركة “برايس ووترهاوس كوبرز” مباشر، فالعمل الروتيني البسيط الذي كان المبتدئ يتعلم المهنة بأدائه لم يعد مذكورا في إعلان الوظيفة. وتؤكد أرقام أخرى الاتجاه ذاته، فشركة “سيغنال فاير” الأمريكية للاستثمار الجريء، التي تحلل بيانات نحو 650 مليون محترف حول العالم، وجدت أن توظيف الخريجين الجدد في كبريات شركات التقنية تراجع بأكثر من 50% عن مستويات 2019.

وتشير الأرقام أن حصة هذه الفئة من إجمالي التعيينات هبطت من 15% إلى 7%، وأن متوسط عمر المعين في الوظائف التقنية ارتفع 3 سنوات منذ 2021، وحذرت في توصياتها الموجهة إلى الشركات الناشئة التي تستثمر فيها، من أن إلغاء مسار المبتدئين يحسن هوامش الربح على المدى القصير، لكنه يصنع “أزمة هيكلية في القيادة والمواهب بعد 5 إلى 10 سنوات”.

ثم نصل إلى الشركة التي بدأنا منها، إذ قال مايك كريغر، مدير المنتجات في أنثروبيك والمؤسس المشارك لتطبيق “إنستغرام”، في مقابلة صوتية سُئل فيها عن معاناة الخريجين الجدد، إن شركته “لم يكن لديها برنامج تدريب صيفي، ومن ثم فإن ميولها أقل لتوظيف الخريجين الجدد”.

شركة “آي بي إم” الأمريكية أتمتت قسم مواردها البشرية (رويترز)

الشاهد والأرقام

للعزاء شاهد واحد يتكرر في كل نقاش عن الأتمتة منذ 40 عاما، هو الصراف الآلي.

القصة كما تُروى بسيطة، إذ انتشرت ماكينات الصراف الآلي في الولايات المتحدة حتى صارت في كل زاوية بحلول منتصف الثمانينيات، وكان المتوقع أن تُنهي وظيفة الصراف البشري. لكن عدد الصرافين لم ينخفض، بل ارتفع. وقد فسر الاقتصادي جيمس بيسن من جامعة بوسطن هذا اللغز المعروف تفسيرا صار هو الرواية الرسمية، فالماكينة خفضت عدد الصرافين اللازمين لتشغيل الفرع الواحد في المدن من 21 إلى نحو 13 فقط، فرخُص تشغيل الفرع، وارتفع عدد الفروع الحضرية بنحو 43%. النتيجة النهائية كانت فروعا أكثر بصرافين أقل في كل منها.

قصة نظيفة ومقنعة، وهي صحيحة، لكنها تتوقف عند منتصفها.

في عام 2007 ظهر الآيفون إلى النور، ثم جاءت تطبيقات المصارف، وتقول إحصاءات مكتب العمل الأمريكية اليوم إن وظائف الصرافين مرشحة للتراجع بنسبة 13% بين عامي 2024 و2034، وإن الوظائف التي ستُعلن خلال هذا العقد كلها لسد أماكن من يتركون المهنة، لا لتوسع في العمل. والسبب الذي يذكره المكتب صراحة أن عدد الفروع يتناقص، وأن من يودع شيكا من هاتفه لا يقف أمام شباك.

الصراف الآلي لم يقتل مهنة الصراف البشري، لكن الهاتف الذكي قتلها. والفرق بين الآلتين هو المتغير الحاسم، فالماكينة أخذت مهمة من مهام الوظيفة، لكنها ظلت في حاجة إلى الفرع، والفرع ظل في حاجة إلى إنسان يقف داخله. أما الهاتف فلم يأخذ مهمة، بل ألغى الحاجة إلى المكان الذي تُؤدّى فيه المهام كلها، والفارق بينهما في نسبة ما غطته كل آلة من الوظيفة، لا في مقدار ذكائها.

ثم يبقى سؤال الوقت، فهناك 40 عاما فصلت بين وصول الصراف الآلي واستقرار الصورة اليوم، وهي مدة تكفي لأن يدخل جيل المهنة ويخرج منها بالتقاعد. أما الفترة بين إطلاق أول نموذج لغوي قادر على كتابة برنامج وبين اليوم الذي صارت فيه الشركات تشترط إثبات عجز الذكاء الاصطناعي قبل توظيف إنسان، فهي أقل من 3 سنوات.

ذلك عن الشاهد التاريخي، أما أرقام اليوم فالخلاف حول معناها لم يُحسم.

في أغسطس/آب 2025، نشر إريك برينيولفسون، مدير مختبر الاقتصاد الرقمي في جامعة ستانفورد، مع زميلين له، ورقة بحثية حملت عنوانا لافتا هو “كناري في منجم الفحم؟”، اعتمدت على سجلات رواتب شهرية فعلية تغطي نحو واحد من كل 6 عاملين أمريكيين. ووجدت أن العاملين بين 22 و25 عاما، في المهن الأكثر تعرضا للذكاء الاصطناعي، شهدوا انخفاضا نسبيا في التوظيف مقداره 13%. وفي المقابل، لم يتراجع زملاؤهم الأكبر سنا في المهن ذاتها.

“نحن أمام ظاهرة حقيقية لكنها لا تزال محصورة في فئات ومهن بعينها، تظهر حين تنظر إلى الشاب في مهنة يغزوها الذكاء الاصطناعي، وتذوب حين تنظر إلى الاقتصاد كله”

وأهم ما في الدراسة ليس الرقم، وإنما الآلية التي تقف خلفه، فالانخفاض جاء من توظيف لم يحدث أصلا، لا من موجات تسريح طالت من كانوا في وظائفهم. ولا يُصدر أحدا بيانا صحفيا عن وظيفة لم يخلقها.

في المقابل، يتتبع “مختبر الموازنة ” في جامعة ييل سوق العمل الأمريكية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، ويحدث نتائجه دوريا. وقد قاس الباحثون سرعة تغير التركيبة المهنية منذ إطلاق “شات جي بي تي”، ومدة بقاء العاطلين بلا عمل في المهن الأكثر تعرضا، فلم يجدوا إزاحة تُذكر على مستوى الاقتصاد كله. ولا يعرض المختبر نتيجته نقضا لدراسة ستانفورد، بل يقول صراحة إن عمله يكملها، وإن منهجه قد لا يرصد حريقا صغيرا في زاوية من السوق، لكنه يرصد بالتأكيد لو كان البيت كله يحترق.

وهكذا تتبدى لدينا ظاهرة حقيقية لكنها لا تزال محصورة في فئة صغيرة وفي مهن بعينها، تظهر بوضوح حين تنظر إلى الشاب في المهنة المعرضة للذكاء الاصطناعي، وتذوب حين تنظر إلى الاقتصاد كله. ويقر برينيولفسون نفسه بأن بياناته تقيس ارتباطا لا سببية، وبأن أثر الذكاء الاصطناعي يصعب فصله عن أثر أسعار الفائدة وعن تصحيح التوسع المفرط في التوظيف بعد الجائحة.

غير أن استعصاء الحسم ليس ثغرة في البحث، هو في تقديرنا الشرط الذي يسمح لسردية عن أرزاق الناس بأن تنقلب رأسا على عقب في 12 شهرا، ثم تنقلب مرة أخرى بعد شهر، دون أن يستطيع أحد أن يثبت خطأها في أي اتجاه. على أن هذا كله جدل حول فاتورة تُستحق بعد عقد من الزمن، ولكن هناك شركة واحدة دفعتها بالفعل.

قد نكتشف بعد 20 عاما أن مخاوفنا من الذكاء الاصطناعي كانت ذعرا لا مبرر له (رويترز)

العودة إلى الفحم

بالعودة إلى حيث بدأنا؛ سنجد أن جيفونز كان محقا في ملاحظته، فحين يرخص شيء يزيد استعماله، وقد صمدت مفارقته 160 عاما لأنها تصف سلوكا بشريا حقيقيا. وكان محقا في تحذيره كذلك، فقد بلغ إنتاج بريطانيا من الفحم ذروته عام 1913، بعد نحو نصف قرن من صدور كتابه، ثم أخذ ينحدر حتى صار اليوم أقل من 20 مليون طن. المنجم نضب فعلا، كما قال، لكنه أخطأ في المآل.

توقع جيفونز أن نضوب الفحم سينهي تفوق بريطانيا الصناعي ويُفقر اقتصادها. ولم يحدث ذلك، لأن شيئا لم يكن في وسعه أن يتخيله ظهر في الأثناء وهو الوقت. فالرجل كان مصيبا في الآلية، ومصيبا تقريبا في التوقيت، ومخطئا في النتيجة، لأن العالم أنتج بديلا لم يكن يملك اسما له وهو يكتب.

“قد يكون هذا التقرير كله، بعد 20 عاما، وثيقة عن ذعر لم يكن له ما يبرره”

وهذه هي حجة المطمئنين اليوم في أقوى صورها؛ قد يتسع الطلب فعلا، قد يظهر عمل لا يستطيع أحد منا تسميته الآن، كما ظهر النفط. وقد يكون هذا التقرير كله، بعد 20 عاما، وثيقة عن ذعر لم يكن له ما يبرره. وهذا احتمال قائم، ولا ينبغي إنكاره، غير أن في المقارنة فارقا واحدا يستحق أن يُقال في النهاية. النفط كان في الأرض ينتظر، ولم يحتج إلى تدريب، والفحم يمكن مضاعفة استخراجه في عام واحد إن ارتفع الطلب، كما حدث في اسكتلندا حين تضاعف استهلاكه 10 مرات، لأنه موجود في الطبقات وكل ما يلزم أن تحفر أعمق.

أما المهندس الذي عادت فورد تشتريه بعد 30 عاما من تخرجه، فليس في الأرض، بل صُنعت خبراته. صُنعت في وظيفة أولى وقف فيها إلى جواره من يعرف، ثم في 15 أو 20 عاما من الأخطاء التي صححها له أحدهم. مفارقة جيفونز تعمل على ما يمكن إنتاجه عند الطلب، والخبرة ليست منها؛ لا تُستخرج، وإنما تُورَّث، وهي تُورَّث تحديدا في الوظيفة التي يُرفع بابها عن الأرض اليوم.

لم يطرح أحد في تلك القاعة بمانهاتن هذا السؤال، ولم يكن جيفونز مضطرا إلى طرحه، لأن الفحم لا يحتاج إلى خبرة معرفية أو تسلسل مهني. ولكن حين يصل العمل الجديد الموعود اليوم، أيا كان شكله، ستقف على بابه فتاة لم تُمسك إبرة في حياتها، فمن الذي سيعلمها حينها أساسيات الخياطة؟

المصدر: الجزيرة