
يعيل 1300 عامل.. الجزيرة نت ترصد حجم الدمار في ميناء المخا
حفظ
إخفاق عسكري
وفي وقت متأخر من ليل الجمعة، انتقلت الجزيرة نت إلى داخل الميناء تحت إجراءات أمنية مشددة لمتابعة عمليات الإنقاذ. وبينما كانت فرق الإطفاء تحاول السيطرة على الحرائق المشتعلة في السفن المستهدفة، واصلت فرق البحث تمشيط الموقع؛ حيث أكد اللواء صادق دويد أن حصيلة الضحايا غير نهائية، وأن البحث ما زال مستمرا.
وربطا لهذا التصعيد الميداني مع معارك جبهة البرح بمحافظة تعز، قال دويد إن القصف يعكس إخفاقا عسكريا على الأرض، مؤكدا أن “الجماعة أطلقت 40 صاروخا باليستيا و46 مسيّرة وزوارق مفخخة على الميناء والمنشآت المدنية، في سلوك انتقامي يستهدف البنية التحتية بعد الخسائر التي تكبدوها في الجبهات”.
من جانبه، يستعيد نائب رئيس مجلس إدارة موانئ البحر الأحمر ومدير ميناء المخا عبد الملك الشرعبي اللحظات الأولى لاستهداف الميناء، قائلا “كنا نزاول عملنا الاعتيادي، وكان كافة الموظفين تقريبا في مكاتبهم، وكانت هناك أعداد كبيرة من عمال الشحن المناوبين لتفريغ بضائع ما زالت حتى الآن على الرصيف، قبل أن نفاجأ بقصف لم نعرف ما الذي يحدث معه”.
إعلان
ويرى -في حديث للجزيرة نت- أن ما حدث يتجاوز مجرد ضربة عسكرية عابرة، موضحا “سبق وأن تعرضنا لمثل هذا القصف في عام 2021، لكنه تكرر هذه المرة بشكل أكثر جنونا. حقيقة أن ميناء تاريخيا كالمخا يتعرض لهذا التدمير وتسيل فيه الدماء، لهو تدمير ممنهج لكل ما تم تأهيله خلال الفترة الماضية، وقد تدمر أمام أعيننا”.
وأضاف أن الاستهداف بدأ بمناطق السكن ثم طال الساحات الخاصة بالجمارك، و”هو ما استدعى إجراء عملية إجلاء فورية لكافة الموظفين والعمال، في مشهد مفزع يهرع فيه الجميع للفرار وسط الخوف الشديد”.
وأشار إلى أن القصف وقع بينما كان الميناء يمارس نشاطه الطبيعي المعتاد، بوجود سفينتي “الخير” و”سد مأرب” اللتين تحملان مواد غذائية وبضائع تجارية متنوعة على الرصيف وما زالتا هناك. وتابع “لم نستطع إجلاء العمال إلا بعد ساعة ونصف تقريبا، حيث توالت 5 موجات من الضربات المتتالية، وسقط جراء ذلك ما لا يقل عن سبعة شهداء، بينهم مدنيون وأفراد أمن المنشآت”.
أضرار كبيرة
وأوضح الشرعبي أن “هامة الرصيف تضررت بشكل مباشر بفعل الضربة الأولى، وسط خوف كبير من استمرار الضربات وتفاقم الخسائر، وهو ما حدث بالفعل في اليوم الثاني حين كرر الحوثيون الاستهداف بثلاثة صواريخ طالت السكن والهناجر والساحة والرصيف”.
أما عن البضائع المكدسة حاليا، فأشار مدير الميناء إلى “وجود سفينة خشبية تحمل بضائع لمواطنين وتجار ووكالات معروفة، بدأ تفريغها قبل يوم من الاستهداف الأول لنقلها إلى الساحات الجمركية، ولكن بعد الضربة تم إجلاء العمال، والرافعات التي نؤجرها من الخارج غادرت الميناء، ونواجه الآن صعوبة في إدخال أخرى جديدة لنقل البضائع نظرا للخطورة القائمة”.
تسبب التعطيل الكامل للميناء في ضرر يمس مئات المواطنين والعمال؛ حيث يوجد 1300 عامل مسجل يعملون بنظام الورديات، إضافة إلى 128 موظفا في الميناء، وأكثر من 75 موظفا في الوحدات الحكومية كالجمارك، والزراعة، والمواصفات والمقاييس، والصحة، والجوازات.
ويعتمد هؤلاء العمال على الأجر اليومي وفق نظام الفرزات، وتأخر العمل يعني فقدانهم المباشر لمصدر عيشهم. ومن بينهم محمد علي الذي قال للجزيرة نت “قطعوا رزقنا، ذلحين (حاليا) وين نروح؟ أنا أشتغل عاملا بالأجر اليومي، وإذا تعطل الميناء فقدت قوت يومي”.
بدوره، قال مدير إدارة المشتريات في ميناء المخا مختار أحمد ناجي القدسي للجزيرة نت “ماذا أقول؟ أتكلم عن الميناء؟ ما عاد في ميناء. لقد دُمر بالكامل”.
وأوضح أنه “بعد جهود تأهيل الميناء وتدارك ما دمرته الحرب في 2015، نتفاجأ اليوم بأنهم يضربونه بكل ما فيه، علما أنه يعيل 1300 عامل”، مؤكدا أن نشاط الميناء خدمي ويستهدف التخفيف عن جميع المناطق، سواء الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية أو لسيطرة الحوثيين.
تبعات اقتصادية
وعن التبعات الاقتصادية، يوضح عبد الملك الشرعبي أن ميناء المخا يخدم الكثافة السكانية الأكبر في اليمن لارتباطه بمحافظة تعز، وجزء كبير من إب والحديدة ولحج؛ نظرا لقربه الجغرافي الذي يقلل تكلفة النقل.
إعلان
ويؤكد أن تعطيله يفرض حصارا عمليا ترتفع معه أسعار السلع نتيجة القفزة في تكاليف النقل والتأمين البحري، مشيرا إلى أن خطوطا ملاحية عديدة أوقفت رحلاتها، وأولها شركة هندية أوقفت نقل بضائعها بعد تعرض سفينتها للغرق.
بالعودة إلى تاريخ الميناء، يبيّن الشرعبي أنه كان قبل عام 2014 يعمل بنشاط تخصصي لاستيراد المواشي، والمواد الصناعية، والأسمنت والمشتقات النفطية. وبعد تدميره بالكامل في 2015 بفعل الحرب، أُعيد تأهيله نسبيا وشُغّل في 2021، ثم عاودت الإدارة التقييم والتأهيل بشكل أكبر من 2021 وحتى نهاية عام 2025 عبر تعميق الحوض وصيانة الرصيف والمباني والساحات والمخازن.
وأضاف “تم توسيع نشاط الميناء وأصبح يستقبل مختلف البضائع، كنا نرتب لاستقبال خلال الأسابيع القادمة بضائع الحاويات لأول مرة، بعد أن أتم الحفار الذي قُصف مؤخرا عملية التعميق لوصول السفن الصغيرة التي تحمل حتى 200 حاوية. كانت لدينا سفن جاهزة في جيبوتي تحمل حاويات ببضائع متنوعة، ولكن هذه الخطط أصبحت غير قابلة للتطبيق حاليا بسبب الاستهداف”.
وينبه الشرعبي إلى أن استمرار القصف يفرض أعباء مالية باهظة ومشكلات قانونية في العقود والتزامات التأخير للشحنات المكدسة في جيبوتي أو المخا، فضلا عن تلف المواد الغذائية، وهي “تكاليف تضاف على السلعة التي تصل للمواطن”، مؤكدا توقف الملاحة حاليا بشكل كامل حرصا على السلامة ولتضرر الرصيف.
عودة تدريجية
وبخصوص الاستهداف الثالث، قال الشرعبي إنه ركز “عمدا” على المعدات اللوجستية التابعة للحفار لإعاقة أي تأهيل قادم؛ حيث كان هناك “برنامج لتعميق الحوض ليصل إلى 8 و9 أمتار لتسليم الميناء بحلول عام 2029 كمشروع مكتمل وفق دراسات دولية بتكلفة بلغت نحو 16 مليون دولار بدعم من الفريق أول طارق محمد عبد الله صالح”.
ويؤكد أنه رغم هذه العرقلة، فإن لجنة الطوارئ بوزارة النقل “تعد خططا لإعادة التشغيل بالقدرات المتاحة، ولن تتيح الفرصة لتوقف الميناء نهائيا”.
وكشف للجزيرة نت أن الأضرار كبيرة جدا، مشيرا إلى أن تقييم خسائر السفن والبضائع يحتاج إلى لجنة فنية متخصصة من وزارة النقل ومؤسسة موانئ البحر الأحمر.
وحسب الشرعبي، ستكون العودة تدريجية إذا استقر الوضع “عبر صيانات عاجلة لشقوق هامة الرصيف لتفادي انهياره أثناء عمل الرافعات”، مشددا على أن مؤسسة موانئ البحر الأحمر تحتاج إلى دعم مالي مباشر من الدولة.
وبينما تطغى السكينة الحذرة على أرصفة الميناء المعطلة، تبقى ألسنة الدخان المتصاعدة تذكيرا حيا بآثار الحرب وتحديات الميدان، في انتظار ما ستسفر عنه الجهود لإعادة الروح إلى هذا الشريان الحيوي الذي يتوقف على تعافيه قوت آلاف العمال ومعيشة ملايين السكان.
