
تحليل: مجتبى خامنئي يخطط لحرب طويلة ولينكولن تدفع ثمن الاستنزاف
حفظ
Published On 14/8/202614/8/2026
تكشف التعيينات التي أجراها المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي مؤخرا عن تصور جديد لإدارة الحرب مع الولايات المتحدة والتوجه نحو إرساء إستراتيجية عسكرية وأمنية طويلة المدى تعتمد الصمود والردع المباشر.
وفي تحليل موسع نشرته مجلة فورين بوليسي للباحث سينا توسي، الزميل المقيم في مركز السياسة الدولية بواشنطن، يتبين أن هذه التغييرات لا تقتصر على تعويض الخسائر الكبيرة التي لحقت بالقيادات الإيرانية جراء المواجهات المستمرة منذ يونيو/حزيران 2025، بل تعكس إعادة بناء شاملة للمؤسسة الأمنية للاستعداد لمواجهة طويلة الأجل مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
إستراتيجية الحرب الطويلة
ويوضح التحليل أن الهيكلية الجديدة لغرفة العمليات الإيرانية تقوم على مركزية القرار العسكري، والتركيز على العمليات الهجومية لفرض تكاليف باهظة على الخصوم، والتكامل الوثيق بين السياسات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والأمن الداخلي.
وعلى عكس التقييمات الشائعة، فإن هذا التشدد -برأي الكاتب- لا يعني بالضرورة إغلاق باب المفاوضات، “بقدر ما يهدف إلى إقران الدبلوماسية بمفهوم أكثر صلابة للردع، يضمن ألا تؤدي أي محادثات مستقبلية إلى مجرد هدنة مؤقتة، بل إلى تسوية دائمة تعترف بنفوذ طهران وتصون مصالحها”.
وتبرز هنا أهمية تعيين محسن رضائي أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، المؤسسة التي تنسق السياسات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية.
ووفق تحليل فورين بوليسي، فإن وصف رضائي بالشخص المحافظ المتشدد أو القائد السابق للحرس الثوري ينطوي على تبسيط مخل؛ إذ يُعد الرجل مهندسا إستراتيجيا أسهم خلال قيادته للحرس الثوري لمدة 16 عاما في تأسيس قوته البرية والبحرية والجوية، فضلا عن فيلق القدس ومقر خاتم الأنبياء”.
وتستحضر المجلة سجله خلال الحرب الإيرانية العراقية عام 1988، عندما أرسل خطة خمسية لمواصلة القتال برغم التدهور الاقتصادي والعسكري، وهي الخطة التي استغلها السياسي الرفيع علي أكبر هاشمي رفسنجاني آنذاك لإقناع الإمام الخميني بضرورة قبول قرار مجلس الأمن رقم 598 لإخراج البلاد من أزمتها.
إنهاك الأسطول الأمريكي
في المقابل، تُظهر تحليلات الصحافة الأمريكية تأثير هذه المواجهة الممتدة على واشنطن من خلال أزمات لوجستية وضغوط ميدانية متزايدة.
إعلان
فقد كشفت تقارير لصحيفتي وول ستريت جورنال وواشنطن بوست وموقع ذا هيل الإخباري أن الجيش الأمريكي يستعد لاستبدال حاملة الطائرات “يو إس إس جورج واشنطن” لتحل محل نظيرتها “يو إس إس أبراهام لينكولن”، التي تجاوز انتشارها 250 يوما ولم تدخل ميناء منذ 200 يوم، في محاولة لتخفيف العبء عن القوات المنتشرة في المنطقة ضمن عمليات الحصار البحري.
ونقلت صحيفتا واشنطن بوست ووول ستريت جورنال” أنباء عن وجود نقص حاد في الأغذية الأساسية والمستلزمات الشخصية، وأعطال متكررة في شبكات الصرف الصحي، وتلوث المياه، وتأخير الطرود البريدية، إلى جانب تدهور الصحة النفسية للطاقم وتسجيل حادثة قفز أحد البحارة في البحر في أغسطس/آب الجاري، فضلا عن تقارير صحفية أشارت إلى محاولة بحارين القفز نتيجة الإرهاق النفسي.
وأثارت هذه الظروف، التي تحدث في الحاملة أبراهام لينكولن، موجة غضب داخل الكونغرس الأمريكي. وطبقا لواشنطن بوست، فقد وجه أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ -في مقدمتهم السيناتور ريتشارد بلومنتال والسيناتور مارك كيلي والسيناتور روبين غاليغو- رسائل ومطالبات حادة لوزير الحرب بيت هيغسيث والقائم بأعمال أمانة البحرية هانغ كاو.
وشدد المشرعون على ضرورة إجراء زيارات تفقدية برلمانية للحاملة، مؤكدين أن غياب الأهداف الواضحة للعمليات العسكرية في إيران يضاعف من وطأة الانتشار الطويل على الجنود.
وكتب السيناتور كيلي أن “عمليات الانتشار الطويلة صعبة للغاية، وتزداد صعوبة عندما لا تكون المهمة الموكلة محددة بوضوح ولا تلوح لها نهاية في الأفق”.
من جانبه، سارع وزير الحرب بيت هيغسيث إلى نفي هذه الادعاءات، واصفا إياها بأنها “معلومات مضللة بالكامل” و”أخبار كاذبة”، ومؤكدا في تصريحات صحفية أن وزارته توفر كافة الإمكانيات والموارد المتاحة لكل سفينة وطاقم.
وأضاف هيغسيث أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة التشغيلية المباشرة لتدوير سفنها والاستمرار في الحصار البحري على الموانئ الإيرانية لأجل غير مسمى.
التداعيات الإستراتيجية والجاهزية العالمية
إلى جانب الأبعاد الإنسانية والتشغيلية، يرى محللون عسكريون أن لنقل الحاملات تبعات إستراتيجية أوسع نطاقا على مستوى العالم.
ونقلت وول ستريت جورنال عن بريان كلارك، الضابط السابق بالبحرية والباحث في معهد هودسون، إشارته إلى أن تحويل مسار حاملة الطائرات جورج واشنطن من المحيط الهادي سيُحدث فراغا مؤقتا في منطقة المحيطين الهندي والهادي، مما يتيح للصين فرصا أكبر لتعزيز نفوذها واستعراض قوتها في المنطقة.
ولفت كلارك كذلك إلى أزمة الجاهزية على المدى الطويل للأسطول الأمريكي البالغ قوامه 11 حاملة طائرات نشطة، مشيرا إلى أن الضغط التشغيلي الناجم عن الحرب الإيرانية يتطلب تراكم أعمال الصيانة والإصلاح في أحواض السفن، وهو ما قد يستغرق زهاء 3 سنوات للعودة إلى وضع الجاهزية الأمثل.
في الختام، تُظهر القراءة المتكاملة للمشهد أن الطرفين يتجهان نحو إدارة صراع طويل طابعه الاستنزاف. فبينما تعيد طهران صياغة مؤسساتها العسكرية لتحويل نفوذها الميداني والبحري إلى مكاسب إستراتيجية وسياسية غير قابلة للتراجع، تواجه واشنطن تحديات متزايدة في الموازنة بين ضغوط الحصار الميداني والكلفة اللوجستية والعسكرية المترتبة على الانتشار الممتد.
وبين صمود إيراني وضغط أمريكي متواصل في البحار، تظل المنطقة معلقة بين معادلات ردع متجددة ومفاوضات مؤجلة تنتظر لحظة انكسار التوازن.
